ــــــــــــــــــــــ
الشرح: الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانًا , وحقيقته عند أهل السنة والجماعة أنه اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح , فالاعتقاد جزء من الإيمان , والعمل بالجوارح جزء من الإيمان , والنطق باللسان جزء من الإيمان , يعني كل واحد من هذه الثلاثة يسمى إيمانا حقيقة (1) .
وأما على رأي المؤلف فهو: اعتقاد بالقلب ونطق باللسان , أما العمل فإنه لا يدخل عند المؤلف - ومن سبقه من الأحناف - في مسمى الإيمان .
والإيمان للناس في تعريفه وحقيقته مذاهب:
المذهب الأول: وهو المتمشي مع كتاب الله وسنة نبيه وسلف الأمة أنه اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان , وهذا أدلته نستعرضها أن شاء الله .
المذهب الثاني: مذهب الأحناف - ومنهم المؤلف -:أنه اعتقاد بالقلب ونطق باللسان أما العمل فلا يدخل في مسمى الإيمان .
المذهب الثالث: مذهب الكرامية وهو أن الإيمان مجرد النطق باللسان فقط , فالمنافق عندهم مؤمن .
المذهب الرابع: مذهب الجهمية , الجهم بن صفوان وأتباعه , وهو أن الإيمان مجرد المعرفة فقط , يعني أن المعرفة هي الإيمان , فعلى مذهب الجهمية لا يبقى هناك كافر , لأن الكل يعرف الله .
أما مذهب أهل السنة والجماعة فإنه هو المذهب الصحيح لأنه هو المذهب الذي يعضده الكتاب والسنة .
فمن الكتاب قوله سبحانه وتعالى وهو أوضح الأدلة ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) أجمع المفسرون من الصحابة وغيرهم أن المراد: وما كان الله ليضيع صلاتكم , لأن سبب نزول الآية يبين ذلك , لما حولت القبلة قال بعض الصحابة ضاع إيمان إخواننا الذين ماتوا وهم يستقبلون بيت المقدس , ظنوا أن إيمانهم كان باطلا لأن القبلة الصحيحة هي الكعبة , فنزل قوله تعالى ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) ومثله كثير في القرآن .
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ) (2) , فالحياء عمل من أعمال القلب وإماطة الأذى عن الطريق عمل من أعمال الجوارح , وهذا الحديث صحيح ولا كلام فيه , أما الأحناف فإنهم قالوا إن هذا الحديث روي:بـ ( سبع وسبعون شعبة ) وفي لفظ آخر ( بضع وسبعون شعبة ) قالوا فهذا يدل على اضطراب الحديث , والاختلاف في العدد لا يقدح بالحديث بإجماع علماء الحديث , لأن هذه الرواية غير الرواية الأخرى ويكون بعض الخصال الزائدة على الثلاث والستين داخلة فيه .
وأما مذهب الأحناف فإنهم قالوا الإيمان هو الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان فقط , أما عمل الجوارح فلا يدخل في مسمى الإيمان , وقالوا إن الإيمان واحد .
واستدلوا على هذا بأمور منها عطف العمل على الإيمان في قوله سبحانه وتعالى: ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) قالوا عَطف العمل على الإيمان ومعلوم أن العطف يقتضي المغايرة , والجواب عن هذا سهل يسير , أجاب به السلف رضوان الله عليهم فقالوا:
إن العطف يقتضي المغايرة غالبا , لكنه قد يأتي العطف لغير المغايرة , فقد يعطف الشيء على نفسه لاعتبار من الاعتبارات: فعطف عام على خاص أو عطف خاص على عام , أو أي أمر يقتضى ذلك يوجب أن يعطف شيء على نفسه كقوله سبحانه وتعالى: ( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ) جبريل الآن عُطف على الملائكة فهل جبريل غير الملائكة ؟ جبريل من الملائكة ولكنه عُطف عليهم عَطف خاص على عام لبيان مزيته عليهم , ولبيان فضله عند الله سبحانه وتعالى , إذ هو سفيره إلى رسله , وإلاّ فهو من الملائكة .
وكذلك قوله سبحانه وتعلى ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) هل الصلاة الوسطى خارجة عن الصلوات الخمس , الصلاة الوسطى من الصلوات الخمس لكنه عطفها على الصلوات من باب عطف الخاص على العام لتأكيد أهمية هذه الصلاة وهي صلاة العصر كما هو الراجح .
وكذلك يعطف العام على لخاص كما في قوله تعالى: ( رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ) فعطف المؤمنين على من دخل بيته وعلى والديه وهم منهم , فوالديه ومن دخل بيته مؤمنون وعَطف عليهم عموم المؤمنين فدل على أن الشيء يعطف على نفسه لاعتبارات , حتى إنه ورد في اللغة عطف الشيء على نفسه وليس هناك مميز للمعطوف والمعطوف عليه ولا مغايرة مطلقا إلا مجرد اللفظ , كقول الشاعر:
فقدّدت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبًا ومينًا (3)
والكذب هو المين و المين هو الكذب , ومع هذا عطف المين على الكذب لاختلاف اللفظ فقط , فبطل استدلالهم بعطف العمل على الإيمان .
قالوا ومن أدلة ذلك أن الإيمان يطلق في اللغة على التصديق كقول إخوة يوسف عليه السلام لأبيهم: ( وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ) وما أنت بمؤمن أي مصدق , ولكن الجواب عن هذا أن يقال: إن حقيقة الإيمان في اللغة التصديق (4) , لكن حقيقة الإيمان شرعا: هو ما دل عليه الشرع , وفرق بين الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية , وكل حقيقة شرعية مبنية على الحقيقة اللغوية فقولهم: ( وما أنت بمؤمن لنا ) أرادوا بذلك الإيمان اللغوي لا الإيمان الشرعي .
والصلاة: الأصل فيها لغة الدعاء , يقول الشاعر:
وقابلها الريح في دنّها ... وصلى على دنّها وارتسم (5)
أي دعا , هذه الحقيقة اللغوية التي هي الدعاء للصلاة أخذها الشارع وأضاف إليها قيودا فأصبحت حقيقة شرعية , و كانت حقيقة الصلاة شرعًا هي الدعاء على وجه خاص , أي الدعاء في الوقت الذي يبدأ فيه بتكبيرة الإحرام ويختم بالتسليم , هذا الدعاء الخاص سمي صلاة لأن أصل الصلاة في اللغة الدعاء .
وكذلك الصيام , فحقيقة الصيام في اللغة الإمساك مطلقًا , والإمساك عن أي عمل يسمى في اللغة الصيام , كقول الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما (6)
يعني واقفة عن الجري , وكذلك قوله سبحانه وتعالى حكاية عن مريم ( إني نذرت للرحمن صومًا ) هل هي نذرت للرحمن أن تصوم عن الأكل والشرب ؟ لا , نذرت أن تمسك عن الكلام , إذًا فحقيقة الصيام لغة الإمساك مطلقًا , لكن الشارع أخذ هذه الحقيقة اللغوية وأضاف إليها قيودا فأصبحت هي حقيقة الصيام في الشرع , فقال: الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب و المفطرات الخاصة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس .
فكل حقيقة شرعية لا بد وأن توجد فيها الحقيقة اللغوية .
فاستدلالهم بأن الإيمان يطلق في اللغة على التصديق لا يصح من هذا الوجه , يعني من حيث كونه يطلق في اللغة فقط .
و الأحناف يسمون بالمرجئة , ويقيد إرجاؤهم بإرجاء الفقهاء , فيقال مرجئة الفقهاء أو يقال مرجئة أهل السنة , وقد حاول شارح الطحاوية رحمه الله وهو حنفي أن يوفق بين مذهب أهل السنة والجماعة وبين مذهب الأحناف وحاول أن يجعل الخلاف لفظيًا , ولكن أنى له ذلك , الخلاف معنوي واضح يتبين بأن أهل السنة والجماعة يكفرون بالعمل أما الأحناف فإنهم لا يرون العمل مكفرًا مطلقًا لا لارتكاب المحرم ولا ترك الواجب .
أما الكرامية فمذهبهم باطل وهو أنه يلزم عليه أن المنافقين كانوا مسلمين لأنهم يقولون لا إله إلا الله ويقرون بألسنتهم ولا يمكن أن يأتوا بدليل يبرر هذا المذهب , إلا ما علم من عمومات النصوص من أن لا اله إلا الله تدخل في الإسلام , كما قال عليه الصلاة والسلام لأسامة ( أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ) (7) ونحو ذلك , ولكن هذا له شروط وله قيود وله أركان , وليس مجرد النطق بالكلمة يكفي في الإيمان .
وأما المرجئة المحضة وهم الجهمية فإنهم لا يشترطون التصديق , يقولون إذا وجدت المعرفة في قلب الإنسان فهو مؤمن كامل الإيمان ولو أنكر وحدانية الله وأنكر وجود الله , إذا كان يعرف الله بنفسه فهو مؤمن , وألزمهم أهل السنة على هذا المذهب بأن إبليس مؤمن وأن فرعون مؤمن وأن أبا طالب مؤمن , قالوا لأن إبليس يعرف الله بدليل قوله ( رب بما أغويتني ) , وآيات كثيرة , وكذلك فرعون يعرف الله بدليل قوله سبحانه وتعالى ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا ) يعني عرفتها نفوسهم , وكذلك قوله سبحانه وتعالى ( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ) والله لقد علمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات إلا رب السموات والأرض وأبو طالب كذلك يعرف الله بدليل قوله (8) :
ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينًا (9)
فبطلان مذهب الجهمية لا يحتاج إلى أن يستدل عليه بدليل .
ومن يقول ما فيه كفر يخرج من الملة إلا كفر الاعتقاد فهذا ينطبق عليه مذهب المرجئة تماما (10) , فمثلا لو نبذ الشرع وراء ظهره فحكّم القانون لحكمنا بكفره بمجرد العمل , أما ما في قلوبهم - أي المحكمين للقانون - فلا علم لنا به ولا علاقة له .
هذا ملخص ما افترق فيه الناس حول بيان حقيقة الإيمان شرعًا , وأما مسائل أخرى في الإيمان تأتي إن شاء الله .
(1) / بعض أهل العلم يرى أن التعريف المشهور: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان .. تعريف ناقص , وذلك أن فيه ذكر اعتقاد القلب دون عمله , والاعتقاد غير العمل , وأن الصواب هو: قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح .
ينظر شرح الشيخ سليمان العلوان لسنن الترمذي كتاب الصيام باب ما جاء في التشديد في الغيبة .
(2) / رواه البخاري ( 9 ) ومسلم ( 35 ) وبقية أصحاب السنن .
(3) / انظر لسان العرب مادة مين .
(4) / هذا التعريف اللغوي قال به الشيخ حافظ حكمي رحمه الله ( معارج القبول 2 /21 ) , والشيخ حمود جعل التعريف الشرعي هنا مكملا للغوي مزيدا عليه بقيود بخلاف المرجئة الذين اكتفوا باللغوي , وسوف ترى بعد قليل أن الشيخ يخطئ تقييد إطلاق مسمى الإيمان على التعريف اللغوي فقط دون ما أضافه إليه أهل السنة .
(5) / ينظر معجم مقاييس اللغة مادة صلى .
(6) / ينظر لسان العرب مادة صوم .
(7) / رواه البخاري ( 4269 ) ومسلم ( 96 )
(8) / انظر شرح ابن أبي العز للطحاوية ص 461 ت التركي ط 2
(9) / ينظر شرح ابن أبي العز ص 461 ت التركي ط 2
(10) / من بدهيات مذهب أهل السنة أنهم يكفرون بالقول والفعل والترك والاعتقاد والشك , ينظر نواقض الإيمان القولية والعملية للشيخ عبدالعزيز بن عبداللطيف ص 36 وما بعدها .