ــــــــــــــــــــــ
الشرح: من معتقد أهل السنة والجماعة الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ بالقلم ما هو كائن إلى يوم القيامة , واللوح يعنون به اللوح المحفوظ , والقلم هو الذي كتب الله به ما يكون في اللوح المحفوظ , وهو الذي أقسم الله به , على الراجح في قوله تعالى: ( ن والقلم وما يسطرون ) .
وهنا عند ذكر القلم يبحث العلماء في مسألة: أيهما خلق أولًا: القلم أم العرش , قوم قالوا: إن العرش هو أول المخلوقات , وقوم قالوا: إن القلم هو أول المخلوقات , سبب الخلاف في ذلك هو الآثار التي وردت في هذا الموضوع , منها قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن أول ما خلق الله القلم فقال: له اكتب ) (1) .
جاء هذا الخبر بعدة ألفاظ منها: ( أولُ ما خلق الله القلم ) (2) ومنها: ( إن أولَ ما خلق الله القلم ) ومنها: ( أولَ ما خلق الله القلم قال له: اكتب ) , فكل لفظ من هذه الألفاظ يؤدي إلى معنى .
قوم قالوا: إن العرش مخلوق قبل بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ( كان الله ولم يكن شيء معه وكان عرشه على الماء ) (3) , والواو هنا للحال , إذًا فالعرش كان موجودًا قبل كتابة الأشياء التي كتبها الله بالقلم , فالذين ذهبوا إلى أن العرش كان قبل استدلوا بهذا الخبر ( كان الله ولا شيء معه .. ) لا قلم ولا لوح ولا غيره .
وأما الذين استدلوا بحديث عبادة فإنهم تمسكوا بقوله: ( إن أولَ ما خلق الله القلم ) وكذلك قوله: ( أولُ ما خلق الله القلم ) فقالوا هذا نص في أن أول شيء خلقه الله القلم .
ولكن أجاب الذين رجحوا أن العرش هو الذي قبل أجابوا عن حديث عبادة وغيره بأن أول ما خلق الله القلم من هذا العالم المشهود , قالوا الدليل على هذا أن سبب هذا الحديث أن قوما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا يا رسول الله جئنا نسألك عن أول هذا الأمر , فقال صلى الله عليه وسلم: ( إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب ) وفي رواية: ( فقال له اكتب ) , فقالوا إن في قوله: ( أول ما خلق الله القلم ) أو: ( إن أولَ ما خلق الله القلم ) أو: ( أولُ ما خلق الله القلم ) يعني من هذا العالم المشاهد , لأن هذا العالم المشاهد هو الذي سئل عنه صلى الله عليه وسلم , وهو الذي كان سبب جواب الرسول صلى الله عليه وسلم , لا أنه أول المخلوقات مطلقًا .
وعلى كل هو خلاف , وابن القيم أشار إلى هذا الخلاف في النونية فقال:
والناس مختلفون في القلم الذي ... كُتب القضاء به من الديان (4)
هل كان قبل العرش أو هو بعده ... قولان عند أبي العلا الهمذاني
وذكر أن من العلماء من اختار الأول ومنهم من اختار الثاني (5) , وهو اختار أن العرش خلق قبل فقال:
والحق أن العرش قبلُ لأنه ... قبل الكتابة كان ذا أركان
يشير إلى قوله عليه الصلاة والسلام: ( كان الله ولا شيء قبله وكان عرشه على الماء ) (6) .
أما قول الألباني:
( الاختلاف المذكور يدل بمفهومه على أن العلماء اتفقوا على أن هناك أول مخلوق والقائلون بحوادث لا أول لها مخالفون لهذا الاتفاق , لأنهم يصرحون بأن ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق وهكذا إلى ما لا أول له , كما صرح بذلك ابن تيمية في بعض كتبه , فإن قالوا: العرش أول مخلوق - كما هو ظاهر كلام الشارح - نقضوا قولهم بحوادث لا أول لها , وإن لم يقولوا بذلك خالفوا الاتفاق فتأمل هذا فإنه مهم ..الخ ) (7)
فالألباني ما فهم كلام ابن تيمية رحمه الله , ابن تيمية لا يدعي أن قبل القلم ليس هناك مخلوق , هو أجاب عن حديث ( أول ما خلق الله القلم ) أن المراد به هذا العالم المشهود , ولا يلزم أن هذا العالم المشهود هو أول المخلوقات , هناك مخلوقات غير هذا العالم , هناك عوالم , فالله سبحانه وتعالى لا أول لوجوده ولا أول لأزليته , فلا نحد موجوداته ومخلوقاته على هذا العالم الحاضر بل ما دام أنه لا بدء لأوليته فكذلك لا بدء لأفعاله سبحانه وتعالى , لكن الحوادث ما منها شيء يكون قديمًا ليس قبله شيء , بل كل حادث فقبله حادث وهذا الحادث قبله حادث وهكذا إلى ما لا نهاية .
والذين أنكروا على شيخ الإسلام ابن تيمية ما فهموا المبدأ الذي سار عليه , لأنهم ساووه بالفلاسفة , قالوا: الفلاسفة يقولون العالم قديم وكلام ابن تيمية يتفق مع كلام الفلاسفة , وهم لو فهموا من كلام ابن تيمية غرضه أو قصده ما قالوا هذا , فهناك فرق بين كلام ابن تيمية وكلام الفلاسفة , فالفلاسفة يقولون ما من جزء من جزئيات العالم الموجود إلا هو متولد من قديم , فالقدم عندهم عام جميع الموجودات , وليس هناك شيء محدث من العدم , بل كل محدث فهو متولد من قديم وذلك القديم متولد من القديم إلى مالا نهاية , أما شيخ الإسلام رحمه الله فيقول: المحدثات كلها حدثت من العدم , لكن ليس هو أول مخلوق بل قبله مخلوق وذلك المخلوق مخلوق من العدم وقبله مخلوق إلى مالا نهاية , فيكون جنس الحوادث قديما ولكن أفرادها محدثة من العدم .
هذا خلاصة رأي ابن تيمية والألباني لم يفهم كلام ابن تيمية وإلا لما ألزمه بهذا اللازم .
أما مقولة: تتابع الآنات أو تتابع الأوقات: فالعقلاء كلهم مجمعون على أن التسلسل في المؤثرين غير جائز , إنما التسلسل في المحدثات هذا هو الذي يجوز .
فعندنا مؤثر وأثر ومحدِث ومحدَث وفاعل ومفعول , هذا المحدث والمفعول والأثر أهل السنة والجماعة كلهم متفقون على أنه متسلسل وأنه لا يمنع العقلُ من أن يكون المحدَث مسبوقًا بمحدث والأثر مسبوقا بأثر , والمفعول مسبوقًا بمفعول إلى مالا نهاية , والعقل لا يمنع هذا , إنما الذي يمانعون منه وينكرونه هو أن يكون المؤثر أو الفاعل أو المحدِث متسلسلا , لأنه يلزم عليه الدور ولا يجوز .
يعني بعبارة أقصر التسلسل في المحدثات والمفعولات والآثار جائز والتسلسل في المؤثر أو الفاعِل أو المحدِث هذا لا يجوز .
(1) / رواه أبو داود ( 4700 ) والترمذي ( 2155 ) وأحمد في مسنده ( 22705 ) بسند صحيح
(2) / رواه أحمد في مسنده ( 22707 ) وابن أبي عاصم في السنة ( 103 ) بإسناد فيه مقال .
(3) / رواه البخاري ( 4718 ) واحمد في مسنده ( 19876) .
(4) / ينظر نونية ابن القيم ت عبدالله بن محمد العمير ص 96 , ورقم البيت الأول 989 .
(5) / انظر منهاج السنة لابن تيمية 1 / 361
(6) / رواه البخاري ( 7418 ) ( 3191 ) وابن خزيمة في التوحيد ص 376 .
(7) / انظر تعليق الألباني رحمه الله على شرح الطحاوية لابن أبي العز ص 178 ط المكتب الإسلامي .