( ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم , أولًا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة , ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه , ثم لعثمان رضي الله عنه , ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه , وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون )
ــــــــــــــــــــــ
الشرح: هذه مسألة الخلافة , المسلمون مجمعون على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه هو الخليفة الشرعي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هناك من يخالف - حسب ما أعلم - في شرعية خلافة أبي بكر الصديق إلا الرافضة , هذا بالنسبة لشرعية الخلافة .
أما بالنسبة لأولوية أبي بكر في الخلافة فإن هناك من ينضم مع الرافضة وهم الزيدية من الشيعة فإنهم وإن أقروا بخلافة أبي بكر وقالوا إنها شرعية إلا أنهم يقولون إن عليا أولى بها منه .
أما مسألة ثبوت الخلافة لأبي بكر الصديق فكما قلت: هي ثابتة ولكن ماهو الدليل على ثبوتها , هل ثبتت له بالنص من المصطفى صلى الله عليه وسلم أو بالاختيار والانتخاب من الصحابة رضوان الله عليهم , فيه خلاف بين العلماء:
القول الأول: من يقول إن الرسول عليه الصلاة والسلام نص على خلافة أبي بكر الصديق وعهد له بها وأنه تولاها بعهد منه .
القول الثاني: أنها ثبتت لأبي بكر الصديق بالاختيار والاتفاق والانتخاب .
والذين قالوا إنها ثبتت من الرسول بالنص والوصية أوردوا عدة أدلة استدلوا بها على ذلك , لكن سنبين عند مناقشة تلك الأدلة أنها لا توصل إلى ما ذهبوا إليه:
قالوا من ذلك ما في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته لعائشة رضي الله عنها: ( ادعي لي أباك وأخاك لأكتب لأبي بكر كتابا - ثم قال - يأبى الله والمسلون إلا أبا بكر ) (1) , ولم يكتب , قالوا: فقوله ادع لي أخاك لأكتب لأبي بكر كتابا معناه أنه نص على أنه هو الخليفة .
ومنها ما صح أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه , قالت: أرأيت إن لم أجدك ؟ كأنها تريد الموت , قال: ( إن لم تجديني فأتي أبا بكر ) (2) . قالوا فهذا نص على أن أبا بكر هو الخليفة .
قالوا و مما يستدل به أيضا أنه عليه الصلاة والسلام أقام أبا بكر الصديق إماما عنه في مرضه (3) .
ومنها أنه قال: ( سدوا كل خوخة على المسجد إلا خوخة أبي بكر ) (4) .
قالوا كل هذه نصوص على أن أبا بكر الصديق هو الخليفة , وذكروا آثارا كثيرة في هذه المسألة .
وأما الذين قالوا إن الخلافة ثبتت لأبي بكر الصديق باتفاق الصحابة عليه واختيارهم له استدلوا بأن عمر رضي الله عنه لما قيل له: ألا تستخلف ؟ قال: إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني - أبو بكر - , وإن أترك فقد ترك من هو خير مني - رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) .
قالوا: فقوله وإن أترك فقد ترك من هو خير مني - رسول الله صلى الله عليه وسلم - نص من عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم لم يستخلف .
وكذلك ما رواه مسلم في صحيحه أن عائشة رضي الله عنها سئلت: من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفا لو استخلف ؟ قالت: أبو بكر , فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر ؟ قالت: عمر ثم قيل لها: من بعد عمر ؟ قالت أبو عبيدة عامر بن الجراح (6) .
فقول السائل: لو كان مستخلفا , وإقرار عائشة له على ذلك يدل على أنه لم يوص .
وأقوى الأدلة والذي هو في نظري يرجح القول بأن الخلافة ثبتت لأبي بكر بالاتفاق والاختيار - اختلاف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة (7) فيمن يكون خليفة , وهي قصة مشهورة معروفة ومستفيضة في كتب الحديث والتاريخ , أنه لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع الصحابة رضوان الله عليهم في سقيفة بني ساعدة , واختلفوا فيمن يكون خليفة , فالأنصار قالوا نحن الذين نصرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن الذين ظهرت على أيدينا نصرة الإسلام وظهر الإسلام على أيدينا , فنحن أحق بها منكم , وقال المهاجرون نحن قوم النبي صلى الله عليه وسلم ونحن الذين أيدناه وخرجنا معه , تركنا بلادنا وأهلينا وأموالنا في سبيل الله نصرة للإسلام فنحن أحق بها , وتفتقت قريحة أحدهم وقال بل الحل الوسط أن يكون منا أمير ومنكم أمير , إلى أن جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه وخطب الناس وقال: إن العرب لا تعرف لهذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش , إلى أن قال: ولكني رضيت لكم أحد هذين الرجلين إما عمر وإما أبو عبيدة , فقام عمر وقال: بل نحن نبايعك ثم قاموا جميعهم فبايعوه .
فلو كان عندهم نص من النبي صلى الله عليه وسلم هل يجوز للصحابة أن يختلفوا في أمر فيه نص صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ لا يمكن أبدًا .
إذًا فهذا دليل قوي على أن الخلافة ثبتت لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بالاختيار والاتفاق .
يبقى مناقشة أدلة القائلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم نص وعهد بالخلافة لأبي بكر فقد أجاب العلماء عنها فقالوا:
أولا: قوله: ( ادعي لي أخاك وأباك لأكتب لأبي بكر كتابا .. ) (8) الجواب عليه من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يعلم ما الذي أراد أن يكتبه صلى الله عليه وسلم , لا نعلم هل أراد أن يكتب له ولاية على الصلاة أو أراد أن يكتب له ولاية على أهله أو أراد أن يكتب له ولاية على بيت المال , هو أراد أن يكتب كتابا لكن لم يقل إنه يريد أن يكتب له بالخلافة .
الوجه الثاني: أنه حتى لو كان ينوي أن يكتب له عهدًا بالخلافة فإنه لم يكتب ولم يحصل ذلك ، إذًا فلم يحصل منه عهد ولا نص لأبي بكر بالخلافة .
ثانيا: وأما قوله للمرأة: ( ائتي أبا بكر ) (9) فلا ندري ما الأمر الذي جاءت لأجله المرأة , هل جاءت تطلب مالا أو جاءت تستفتي فلا يعلم ماذا تريد , و أبو بكر رضي الله صالح لقضاء حاجتها من جهة المال وصالح لقضاء حاجتها من جهة الفتيا , ولم يقل صلى الله عليه وسلم أبو بكر الخليفة بعدي , أو عهدتُ له بالخلافة فأتيه , ولو كان هناك نص ظاهر لم يكن ليخص أبو بكر على كل الصحابة ولم يكن مع هذا يعلم بهذا النص أحدهم , ولهذا لما كان هناك شيء يتعلق بهذا الموضوع وإن لم يكن نصًا في المسألة أوردوه , فقد قام رجل وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( الأئمة من قريش ) (10) , وقد كان الصحابة كلهم مجتمعون كبارهم وصغارهم ولم يقل واحد منهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم عهد إلى أبي بكر .
وأما علي رضي الله عنه فقد غاب عن ذلك لأنه كان مشغولا بتطمين زوجته فاطمة رضي الله عنها ومواساتها في مصابها بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم , وهو حتى لو لم يبايع فهو معذور في ذلك .
ثالثا: وأما تخليف النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في إمامة الصلاة فهذا يدل على فضل أبي بكر وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم له , ولا يعني الخلافة .
إذًا كلها أدلة محتملة , وإذا كانت محتمله , فالأدلة الأخرى أوضح منها وأقوى , والذي أراه وأرجحه هو القول الثاني وهو أن الخلافة ثبتت لأبي بكر بالاختيار .
وترتيب الخلفاء الذي عليه أهل السنة والجماعة أبو بكر الصديق , فالخلافة ثبتت له بالاختيار , ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه , والخلافة ثبتت له بالنص والعهد والاستخلاف من أبي بكر , ثم عثمان رضي الله عنه والخلافة ثبتت له بالنص من بين عدة نفر , ثم علي رضي الله عنه وأرضاه .
ومسألة ترتيب الخلفاء في الخلافة هذا هو الذي يترتب عليه التضليل وعدمه , يعني أن يقدم عمر على أبي بكر أو يقدم عثمان على عمر أو يقدم علي على عثمان , هذا يعتبر من البدع المضلة , بخلاف تقديمهم وترتيبهم في الفضل فإنه أهون .
ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في الواسطية وغيرها إن المسألة التي يضلل فيها هي مسألة الخلافة أما مسألة الفضل فإنه لا يضلل من خالف فيها (11) .
وجمهور السلف على أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة ما عدا الأحناف وبعض العلماء فإنهم قدموا عليًا في الفضل على عثمان فقط (12) , أما في الخلافة فالمسلمون كلهم مجمعون على أن أبا بكر أولهم ثم عمر ثم عثمان ثم علي .
(1) / رواه مسلم ( 2387 ) والبخاري قريبا منه ( 5666 ) و ( 7217 )
(2) / رواه البخاري ( 7360 ) ومسلم ( 2386 ) .
(3) / رواه البخاري ( 664 ) , ( 679 ) ومسلم ( 420 ) .
(4) / رواه البخاري ( 467 ) ومسلم ( 2382 ) .
(5) / رواه البخاري ( 7218 ) ومسلم ( 1823 ) .
(6) / رواه مسلم ( 2385 ) والنسائي في الكبرى ( 8202 ) وأحمد في الفضائل ( 204 ) وفي المسند بلفظ مقارب ( 24346 ) .
(7) / رواه البخاري ( 3668 )
(8) / رواه مسلم ( 2387 ) والبخاري قريبا منه ( 5666 ) و ( 7217 ) .
(9) / رواه البخاري ( 7360 ) ومسلم ( 2386 ) .
(10) / رواه الإمام احمد في المسند 2/ 183 وصححه احمد شاكر .
(11) / انظر مجموع الفتاوى 3 / 153
(12) / ذكر ابن عبدالبر رحمه الله في الاستيعاب 3 / 214 أن أهل السنة استقر قولهم على تقديم عثمان على علي رضي الله عنهما في الفضل .