فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 153

( والإيمان واحد وأهله في أصله سواء )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: هذا على منهج الأحناف - مرجئة الفقهاء - الإيمان عندهم واحد وهو التصديق فقط , وأما النطق باللسان فلا يدخل في الإيمان , الإيمان يقوى ويضعف , كالنور لكن بعض النور أقوى من بعض , فأبو بكر وأنا وأنت كلنا في أصل الإيمان سواء , إلا أن أبا بكر يفضلنا بقوة الإيمان وبقوة التقوى .

ولا يقرون بأنه يزيد وينقص , لأن الإيمان عندهم شيء واحد , وإذا كان شيئًا واحدًا فإنه لا يزيد ولا ينقص (1) , وأهله يختلفون فيه فيما يتعلق بالتقوى والهدى , يعني فمن كان أتقى فإيمانه أقوى , ولا يقولون إن إيمانه أكثر لأن الزيادة تكون في العمل والقول وهما ليسا من الإيمان (2) .

فكلما أكثر المؤمن من الذكر والتسبيح والتحميد زاد إيمانه وكلما أكثر من العمل الصلاة والزكاة ونحوها زاد إيمانه , وإذا كانوا لا يدخلون هذه الأمور في الإيمان فهم لا مفر لهم من أن يقولوا إنه شيء واحد لا يزيد ولا ينقص .

فأما مذهب أهل السنة والجماعة فأدلته كثيرة من الكتاب والسنة ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون ) وزادتهم إيمانا نص , كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة ) فالتصديق واحد , والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( بضع وسبعون شعبة ) وهذا مما يدل على أن الإيمان غير التصديق , فإذا كان بضعا وسبعين شعبة إذًا فهو عدد , ولهذا مثّل بقول: ( أعلاها قول لا إله الله ) وقول لا إله إلا الله ليس من التصديق , ( وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) (3) وإماطة الأذى عن الطريق عمل من أعمال الجوارح , سماه: ( الإيمان ) .

فالنصوص كثيرة في القرآن والحديث على أن الإيمان يزيد وينقص , أما الأحناف فقالوا إنه شيء واحد لا يزيد ولا ينقص وقالوا: الأعمال لا تكون معه ولا تسمى إيمانًا , لا يجوزون أن يطلق على الأعمال إيمان لأن حقيقة الإيمان التصديق .

واستدلوا على هذا بقوله سبحانه وتعالى ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) قالوا: لو كان العمل من الإيمان لما صح عطفه عليه , لأن العطف يقتضي المغايرة , ورد عليهم القائلون بزيادة الإيمان ونقصانه بأن العطف وإن كان في الأصل للمغايرة إلا أنه قد يأتي ولا يقصد منه المغايرة فقد يعطف الشيء على نفسه لاعتبارات أخرى كقوله تعالى ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فالصلاة الوسطى داخلة في الصلوات ومع هذا عطفها على الصلوات وكذلك قوله ( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ) جبريل من الملائكة ومع هذا عطفه عليه ولكن هذا عطف خاص على عام وهو داخل في ذلك العام والنكتة من عطفه لبيان ما له من القدر والفضل , وجبريل من الملائكة وصلاة العصر من أفضل الصلوات فكان ذكر جبريل مرتين وذكر صلاة العصر مرتين يدل على زيادة الأهمية فعطف الشيء على نفسه جائز إذا كان العطف خاصًا على عام لبيان العناية والفضل بالمعطوف , وكذلك العكس عطف العام على الخاص كقوله سبحانه وتعالى { رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا وللمؤمنين والمؤمنات } فالمؤمنين عُطفوا على من دخل بيت النبي نوح صلى الله عليه وسلم وهم أعم , وهذا كثير جدًا ويأتي في القرآن وغير القرآن يعطف الشيء على نفسه لأجل بيان فضله ومزيته العامة .

(1) / ينظر الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل لمحمد بن محمود آل خضير 1/275 .

(2) / سبق ص 110 قول الشيخ: لما كان التصديق لا يعرف إلا بالنطق باللسان ( يعني عند الأحناف ) قالوا: النطق باللسان ركن وليس جزء من الإيمان لأنه لا يُعرف هل هو مصدق بالله أو ليس بمصدق , أما العمل عندهم فإنه أطلق على الإيمان مجازا .

(3) / رواه البخاري ( 9 ) ومسلم ( 35 ) وبقية أصحاب السنن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت