فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 153

( ولا نشهد لهم بالجنة , ونستغفر لمسيئهم , ونخاف عليهم ولا نقنطهم )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: هذه المسألة اختلف العلماء فيها على ثلاثة أو أربعة مذاهب:

المذهب الأول: أرجحها وأقواها مذهب أهل السنة والجماعة وهو أنه لا يشهد لأحد بعينه أنه من أهل الجنة مهما كان عمله الذي يقوم به , ولا يشهد لأحد بعينه أنه من أهل النار مهما كان العمل الذي يؤديه ويقوم به وإنما يرجون للمحسن ويخافون على المسيء .

أما على الأعيان فلا يشهدون لأحد بجنة ولا نار إلا إذا ورد نص صحيح صريح فلهذا يقولون من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بعينه نشهد له بعينه , كعكاشة بن محصن رضي الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ( إن سبعين ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ) قال عكاشة بن محصن رضي الله عنه: ادع الله أن يجعلني منهم قال: ( أنت منهم ) (1) , نص في أن عكاشة من أهل الجنة بعينة , وكذلك العشرة أبو بكر وعمر عثمان وعلي والستة الباقون كلهم شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة بأعيانهم (2) , وكذلك ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه لما نزل قوله سبحانه وتعالى: ( يا أيها الذين أمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) قال رضي الله عنه لقد حبط عملي لأنني رجل جهوري أرفع الصوت عند رسول الله ولزم بيته فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا أنه لزم بيته يبكي ويقول حبط عملي فقال عليه الصلاة والسلام: ( بل هو من أهل الجنة ) (3) فثابت بن قيس ممن شهد لهم بأعيانهم بالجنة .

وكذلك لا نشهد لأحد بالنار إلا إذا شهد له النص عن المعصوم , لأن الأصل الذي قام عليه مذهب أهل السنة والجماعة في الشقاوة والسعادة منوط بما يموت عليه الإنسان , فإذا رأينا إنسانا يكثر من الطاعات ويلزم المساجد ويجاهد في سبيل الله فلا نأمن عليه أن تكون خاتمته سيئة فقد يرتد , وكذلك لو رأينا إنسانا كافرًا عاصيا يجاهر بالمعاصي والكفر والضلال لا نشهد له بعينه أنه في النار لأنه ربما يتوب ويرجع ويسلم ويحسن إسلامه ويكون من أهل الجنة كما قال عليه الصلاة والسلام: ( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) (4) .

فإذا شهد نص بأن أحدا ما من أهل النار فإننا نقطع له بأنه من أهل النار قطعا , كأبي لهب فإن الله سبحانه وتعالى أخبرنا بأنه من أهل النار فقال: ( سيصلى نارا ذات لهب ) وإخبار الله سبحانه وتعالى حقٌ , وكذلك عمرو بن لحي الخزاعي نشهد له بأنه من أهل النار لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ( رأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار ) (5) فمن ورد نص صحيح من القرآن أو من الحديث بأنه من أهل النار أو أنه من أهل الجنة فإننا نقطع له بعينه , و أما ما عدا ذلك فلا , لأن مجرد العمل لا يكفي .

وأيدوا أهل السنة والجماعة هذا المذهب بأمور منها:

الأمر الأول: أن ظاهر الإنسان لا يكفي فلابد أن يتفق الظاهر والباطن , لأن العبرة بعقيدة الإنسان وما يضمره في نفسه , فقد يكون الإنسان منافقا والعياذ بالله يصلي الصلوات ويؤدي شعائر الإسلام مع الناس في الظاهر ولكنه في الباطن ملحد يكفر بالله وبرسوله فإذا شهدنا له بعينه أنه من أهل الجنة على ما نرى من أعماله الصالحة وإقامته لشعائر الإسلام نكون قد أخطأنا لأن الله سبحانه وتعالى علم أنه في الباطن غير , أما بالنسبة للحكم عليه بالإسلام أو غيره فهذا مناطه الظاهر , يعني إذا رأينا من يؤدي شعائر الإسلام ويقول: لا إله إلا الله نحكم له بالإسلام ظاهرا وأما باطنه وسريرته فنكلها إلى الله .

الأمر الثاني: أن العبرة بالموافاة فقد يكون الإنسان مؤمنا في الظاهر يؤدي شعائر الإسلام ومؤمنا في الباطن أيضا ولكن يطرأ عليه سوء الخاتمة - والعياذ بالله - ينحرف ويرتد فيموت كافرا فتكون شهادتنا له بالجنة مخالفة لما علمه الله وأراده , كذلك أيضا قد يكون الإنسان كافرا ظالما ملحدا باطنا وظاهرا لا يؤدي شعائر الإسلام ولا يعتقد بصحة الشرائع ثم عند الخاتمة يهديه الله ويوفقه للخير ويمن عليه بالهداية فيتوب من كفره وضلاله ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فيعمل بعمل أهل الجنة فيكون من أهلها .

وهذا هو أمثل الأقوال وأرجحها .

هناك قول ثان يقول لا نشهد لأحد بجنة ولا نار إلا الأنبياء فقط , إذا ثبتت لنا نبوة نبي قطعنا أنه من أهل الجنة , أما غير الأنبياء فلا نشهد لهم وهذا متعارض مع النصوص التي صرح عليه الصلاة والسلام بها لأشخاص معينين بأنهم من أهل الجنة .

ولهذا يكون هذا المذهب بدرجة أقل من درجة المذهب الأول لأنه لا يعرف له أصل يستند عليه القائل لا تعليل ولا دليل .

القول الثالث: من يسلك مسلك أهل السنة والجماعة ولكن يتوسعون فيه ويقولون لا نشهد لمعين بالجنة ولا بالنار إلا لمن شهد له النص أو شهد له المسلمون , إذا شهد النص من القرآن أو الحديث قطعنا أنه من أهل الجنة أو من أهل النار , وإذا شهد المسلمون له بذلك فإننا نقطع له أيضا بالجنة أو بالنار لأنهم لا يجمعون على ضلالة ولأنهم شهداء الله في أرضه .

وهؤلاء مستندهم أنه مرت جنازة برسول الله صلى الله عليه وسلم فأثني عليها خيرًا حتى تتابعت الألسن فقال رسول صلى الله عليه وسلم: ( وجبت ) قال: ومرت به جنازة أخرى فأثني عليها بشر حتى تتابعت الألسن فقال رسول صلى الله عليه وسلم: ( وجبت ) فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله: قلت في الجنازة الأولى وجبت وقلت في الثانية كذلك فقال: ( هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض مرتين أو ثلاثا ) (6) .

ولكن هذه الزيادة لا يرضاها السلف ويجيبون عنها فيقولون إن قوله عليه الصلاة والسلام: ( وجبت ) ليس السبب في ذلك أن المسلمين شهدوا له , بل السبب في ذلك أنه يعلم صلى الله عليه وسلم أن هذا من أهل الجنة وأن هذا من أهل النار , أي ليس الحامل له على أن يقول وجبت للذي أثنى عليه الخير وقوله للآخر وجبت الذي أثنى عليه الشر ليس دليله على وجوب الجنة أو النار شهادة المسلمين بل كان يعلم هو عليه الصلاة والسلام من الله عن طريق الوحي أن هذا من أهل الجنة وأن هذا من أهل النار .

يبين هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: ( توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار ) قالوا: بم يا رسول الله ؟ قال: ( بالثناء الحسن والثناء السيئ أنتم شهداء الله بعضكم على بعض ) (7) , فقوله: ( توشكون ) يدل على أنهم لا يقطعون وإنما ثناؤهم بالخير أو بالشر يكون قرينة تدل على ذلك , لأن أوشك: بمعنى قرب , فتوشكون بمعنى تقربون .

إذًا فالقول الراجح هو المذهب الأول وهو أننا لا نقطع لإنسان بعينه بجنة ولا نار إلا إذا شهد له النص .

(1) / رواه البخاري ( 5705 ) و مسلم ( 216 )

(2) / رواه الترمذي ( 3748 ) واحمد في الفضائل ( 278 ) والبغوي ( 3925 ) بسند صحيح .

(3) / رواه البخاري ( 3613 ) ومسلم ( 119 )

(4) / رواه البخاري ( 3208 ) ومسلم ( 2643 ) .

(5) / رواه البخاري ( 3521 ) ومسلم ( 2856 ) .

(6) / رواه البخاري ( 1367 ) ومسلم ( 949 )

(7) / رواه ابن ماجه ( 4221 ) و احمد في المسند بسند صحيح ( 15439 ) ت التركي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت