ــــــــــــــــــــــ
الشرح: إن الله واحد لا يماثله شيء لا في أسمائه وصفاته ولا في أفعاله , فهو واحد مختص بالوحدانية في ذلك , لا أحد يماثله ولا أحد يستطيع أن يفعل كما يفعل سبحانه و تعالى , لأنه الفاعل المطلق الخالق المدبر المتصرف في الكون خلقا وتدبيرا وتصرفا مطلقا , لا أحد يماثله في شيء من ذلك .
و أما قوله: ( ولا شيء مثله ) فمعناه ما سبق , أنه منزه عن مماثلة المخلوقات تنزيها عاما مجملا , أما طريقة المبتدعة الذين حادوا عن طريق أهل السنة والجماعة , طريقتهم في التنزيه أنهم ينزهون الله على سبيل التفصيل , فيقولون: إن الله ليس بجسم وليس بجوهر وليس بعَرَض وليس متصلا بالعالم ولا منفصلا عنهم ولا هو بائن من خلقه ولا هو حال فيهم , وهذه التفاصيل في النفي المستعمِلُ لها يصل إلى العدم , لأن الذي لا يوصف بهذه الصفات ولا تقوم به كلها معدوم , وكما ذكر العلماء في غير موضع أن هذا مع أنه يوصل إلى العدم ففيه أيضا تنقص لله سبحانه وتعالى , قالوا فلو أنك أتيت إلى ملك وقلت له: أطال الله عمرك , أنت رجل طيب , لست بكسّاح ولا حلاق ولا قمّام ولا كذا ولا كذا , هو صحيح ليس كذلك لكن هل في هذه السّلوب (1) المفصلة كمال .؟ أو هي عيب ونقص في حقه ؟ هو صحيح أنه ليس متصفا بشيء من هذه الصفات الرديئة , وفي نظره وفي نظر غيره فوق ذلك بكثير - ينطبق عليه قول البيت المعروف:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا (2)
السيف أمضى من العصا يقينا , لكن إذا قرنته بالعصا كان ذلك نقصا في حقه , وكما قال العلماء: لو أنك قلت مثلا: إن الذهب خير من قشر البصل وخير من قشر السمك لكان صحيحا لكن فيه تنقص لهذا المعدن النفيس حيث قارنته بهذه الأمور الرديئة .
الحاصل أن طريقة السلف رضوان الله عليهم هي النفي و التنزيه المجمل , ( ليس كمثله شيء ) , ليس له مثيل ليس له شبيه ليس له سمي ليس له ند وليس له ظهير , نفي عام مجمل , فهذا هو الذي فيه التنزيه وهو الذي يتضمن الكمال , أما السّلوب المفصلة فإنها لا تتضمن كمالا وتفضي إلى العدم , وهي عيب وذم .
قوله: ( ولا شيء يعجزه ) إثبات لقوته وقدرته سبحانه وتعالى .
قوله: ( ولا إله غيره ) أي وهو الواحد في الإلهية أيضا , إله واحد لا مثيل له أو لا أحد يستحق أن يؤله أو أن يعبد بأن يصرف له شيء من أنواع العبادة كما يصرف لله سبحانه وتعالى .
(1) / أي الصفات السلبية وهي التي دلت على سلب مالا يليق به سبحانه , والمراد أنهم لا يعرفون الله إلا بالسّلوب , فمثلا صفة العزة لا يثبتونها بل يقولون ليس بذليل وليس بحقير , أما أنهم يصفونه بالعزة أو العظمة أو غيرها مما ينازعون فيها فلا يثبتونها بل يقولون ليس بكذا وليس بكذا .
انظر بيان تلبيس الجهمية 7 / 369 هامش رقم 6
(2) / أورده الثعالبي في تتمة اليتيمة 5/299 .