فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 153

( ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم , وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم , وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته , وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته , ومشيئته تنفذ , لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم , فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: خلق الخلق وقدر عليهم المقادير , وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته ولا تعارض بين قوله قدّر وأمر , فإنه قدر التقدير العام وأمرهم أمرًا خاصًا أمرًا شرعيًا , وهو الذي يرادف الإرادة الشرعية , لأن الإرادة والمشيئة نوعان:

النوع الأول: إرادة كونية معناها المشيئة والقضاء والقدر والتقدير الشامل العام .

النوع الثاني: إرادة شرعية معناها الأمر والمحبة والرضا بما يعمله الإنسان .

فهو قدر عليهم المقادير ولكنه أمرهم ونهاهم , ولا تعارض بين ذلك كما أشار إليه في حديث الصحابي الجليل سراقة بن مالك حينما قال: يا رسول الله: بين لنا ديننا ، كأنا خلقنا الآن ، فيم العمل اليوم ؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ، أم فيما يستقبل ؟ قال: ( لا ، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ) , قال: ففيم العمل ؟ فقال: ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) (1) .

يعني لا يجوز للإنسان أن يقول أؤمن بأن الله قضى عليّ الخير والشر , فإن كان قد قضى علي الخير فسوف يحصل لي سواء عملت أم لم أعمل , وإن كان قدر لي الشر فسوف يصلني سواء عملت أم لم أعمل , وذلك أن نقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أُمرنا بطاعته و اتباعه أخبرنا بأن الله قضى كل شيء وقدره فنؤمن بذلك , وأمرنا أن لا نتكل على ذلك التقدير , بل أمرنا أن نطيع الله ونهانا أن نعصيه , فالمؤمن حقا هو الذي يؤمن بما أخبر الله به رسوله من القضاء والقدر , ويطيع الله ويطيع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به من الشرع والدين.

فجمع المؤلف بين القضاء والقدر والأمر والنهي يريد بذلك رفع هذه الشبهة التي قد يورد ها جبري ويقول: إذا كان الله قدر علي الخير والشر فأي فائدة في عملي ؟ يقال له: الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا بأن الله قدّر الخير والشر أمرنا أن نعمل فقال: ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) فنؤمن بالخبر ونطيعه فيما أمر , والله سبحانه وتعالى أخبرنا أن ما قضاه سيكون مطلقًا ولا بد أن يكون .

وقوله تعالى: ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) يمحو الله ما يشاء من التفاصيل التي تأتي بعد التقادير العامة , والذي قضاه الله في اللوح المحفوظ لا يمكن أن يمحى .

والله سبحانه وتعالى مشيئته نافذة لا مشيئة لأحد مع مشيئته , والعبد له مشيئة وله إرادة ولكن مشيئته وإرادته محدودة ومقيدة بمشيئة الله وإرادته , كما قال سبحانه وتعالى: ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) فما شاءه الله كان , سواء أراده العباد أم لم يريدوه , وسواء رضيه العباد أولم يرضوه , ما أراده الله إرادة كونية فسيكون خيرًا كان أو شرًا , وما لم يرده إرادة كونية فلن يكون مهما بذل العبد من الوسائل , وهذا يمثله البيت الذي نظمه بعض العلماء حينما قال:

فما شئتَ كان وإن لم أشأ ... وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن (2)

فما شئت يا رب كان وإن لم أشأ أنا , وما شئتُ أنا إن لم تشأ يارب لم يكن , هذا يمثل مذهب السلف تماما , و يوضح مذهبهم في المشيئة والإرادة , وفي فعل العبد ومشيئة العبد توضيحًا كاملًا .

(1) / رواه مسلم ( 2648 ) وفي البخاري بلفظ آخر ( 1362 ) .

(2) / هذا البيت منسوب للإمام الشافعي رحمه الله , انظر الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر ص21

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت