ــــــــــــــــــــــ
الشرح: قوله: ( ونؤمن بالملائكة ) الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الستة .
والملائكة جمع ملك والملك أصله مألك من ألكت فلانا في كذا أي أرسلته فيه , والرسالة تسمى ألوكة , كما قال الشاعر:
ألكني إليها بخير الرسو ... ل أُعلمهم بنواحي الخبر (1)
وكما جاء في لامية الأعشى إطلاق الألوكة على الرسالة , وقد قال:
أبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل (2)
وملائكة مألكة وهو مأخوذ من الألوكة التي هي الرسالة لأن الملك مرسل من الله سبحانه وتعالى , سواء أرسلوا إلى عباده لتبليغهم بالوحي كجبريل , أو يرسلهم في قضاء تدبير أمور الكون .
ومن أصول أهل السنة والجماعة الإيمان بأن لله ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون , وأنه سبحانه وتعالى سخرهم للقيام بالأعمال فمنهم من ينزل بالوحي ومنهم من ينزل لقبض الأرواح ومنهم من يكتب أعمال العباد , ومنهم من هو موكل بالقطر ومنهم من هو موكل بالنبات ومنهم من هم مفرّغون للعبادة يصلون ويسبحون , ويقومون بعبادته سبحانه وتعالى كما في قوله: ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) .
ولم يضل في الملائكة إلا طوائف قليله كالفلاسفة الذي قالوا إن الملائكة عبارة عن قوة عقلية يدبرون الكون وليسوا مخلوقين ولا ذوات .
وهذا يقرب منه قول محمد عبده الذي يسمى الإمام في الأزهر سابقًا , فإن خلاصة قوله في الملائكة يؤول إلى هذا المعنى , كما في كلامه عن القوى التي تشغل الحيوان والنبات , و محمد عبده معروف أنه يفسر القرآن على حسب عقله ورأيه , وأنه لا يتقيد بتفسير السلف والصحابة رضوان الله عليهم , إذا قرأت كلامه في تفسير محمد رشيد رضا الذي جمعه عنه وجدت أن كلامه يحوم حول هذا المعنى .
وأما المسلمون فإنهم متفقون كلهم على أن الملائكة عباد مكرمون , خلقهم الله لطاعته , وأكرمهم بما اسند إليهم من الأمور , وكلفهم في أمور العالم يديرونه كله بأمره و علمه وقدرته سبحانه وتعالى .
والعلماء يبحثون في هذه المسألة غالبًا في فضلهم , فهناك من العلماء من فضلهم على صالح البشر ومن العلماء من فضل صالح البشر عليهم كالرسل , والقول المعتمد في مذهب أهل السنة والجماعة هو أن الرسل أفضل من الملائكة (3) ووجهوا ذلك بأمور:
منها أن البشر يجاهدون في سبيل كبح نزوات نفوسهم , لأن الله ركب فيهم الشهوة - شهوة الأكل والشرب والجماع والانتقام والبطش , ونهاهم عن تعاطي بعض هذه الشهوات , ومع هذا أطاعوا الله سبحانه وتعالى واستطاعوا أن يكبحوا جماح نفوسهم فمنعوها , وهذا فضل كبير , وأما الملائكة فإن الله لم يخلق فيهم شهوات حتى يكابدوها , حتى يتبين هل يستطيعون كما يستطيع البشر الصبر ومقاومة الشهوة أو لا يستطيعون , فكان البشر أفضل منهم من هذه الناحية , ومن الأمور التي يستدل بها الذين يفضلون الملائكة على صالحي البشر قوله سبحانه وتعالى: ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ) فكون المسيح لا يستنكف أن يكون عبدا لله فكأنه أمر عادي لكنه قال: ( ولا الملائكة ) الذين هم أقوى منه وأقدر فإنهم أيضا لا يستنكفون عن عبادة الله سبحانه وتعالى .
وشارح الطحاوية رحمه الله ذكر عشرات الأوجه للذين يفضلون الملائكة على البشر , وعشرات الأوجه للذين يفضلون البشر على الملائكة .
لكن من العلماء من يرى أن هذه المسألة لا فائدة ترجى من بحثها , فلا يتعلق بها أحكام ولا يتعلق بها تكليف وهي تشغل الوقت فينبغي أن لا يشتغل بها .
وأما من يقول في تعريف الملائكة إنهم أجساد نورانية (4) , فهذا مأخوذ من عمومات النصوص , يعني مفهوم , كما فهم ابن القيم رحمه الله أن الروح عبارة عن جسم نوراني خفيف شفاف إلى آخره , ومن أنهم يكونون موجودين في المجلس ولا يرون , لكن ما فيه شيء ينص على هذا التعريف .
قوله: ( والنبيين ) أي ونؤمن بالنبيين , والنبي مشتق إما من نبأ , لأن الله ينبئه , وإما من النَّبوة وهي المكان المرتفع من الأرض .
لأنه إن كان من النبأ فالهمزة فيه أصلية: النبي: الياء فيه أصلها همزة , ولذا يقرأ ورش عن نافع في جميع القرآن النبيين بـ ( النبيئين ) والنبي بـ ( النبىء ) على أساس أن الياء عند غيره منقلبة عن الهمزة .
وأما على التعريف الثاني أو الاشتقاق الثاني فتكون الياء هنا في ( النبي ) منقلبة عن واو ( النبيوُ ) لأنهم يقولون اشتقت من النبوة , اجتمعت الياء والواو في كلمة , وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأصبح ( النبيُّ ) و ( النبيين ) .
والمتبادر والأرجح حسب ما قرأت أنه مشتق من النبأ الذي هو الإعلام , لأن الله سبحانه وتعالى يعلمه وينبئه بالوحي وهو ينبئ الناس بذلك .
والنبي تارة يكون رسولا وتارة يكون نبيًّا فقط , والنبوة والرسالة والرسول والنبي يتفقان تارة ويختلفان أخرى , فالنسبة بين النبي والرسول هي العموم والخصوص المطلق , فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا , والنبي أعم مطلقًا والرسول أخص مطلقًا , فالرسول لا يمكن أن يكون رسولا إلا وهو نبي , لكن النبي قد يكون نبيًا رسولًا وقد يكون نبيًا وليس برسول , من هذه الوجهة قلنا إن النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق (5) .
والنبوة والرسالة لها براهين ودلائل ومعجزات وآيات , ولهذا فرق العلماء بين ما هو خارق للعادة وبين معجزة الرسول , وفرقوا بين الكرامة وبين معجزة الرسول , فعرفوا كل واحدة من هذه بتعريف لا تدخل فيه الأخرى .
فالرسول لا بد له من آيات , والمعجزة هي آية يظهرها الله , يقيمها الله على يديه ليظهر بها صدق دعوته , وقد أجرى الله سبحانه وتعالى العادة بأن تكون المعجزة التي يأتي بها الرسول هي من الأمور التي تكون معظمة عند قومه ولها مكانتها في المجتمع , لهذا لما كان قوم موسى الغالب عليهم والعالي مكانة عندهم السحر , كان السحرة في ذلك الوقت لهم السلطان ولهم القوة ويستجيب لهم الشعب والحكام والعلماء وغيرهم , فلما كانت هذه الظاهرة هي المتفوقة في عصر موسى عليه السلام كانت آيته من جنس تلك الظاهرة , ولهذا لما تناظر هو وسحرة فرعون وجمعوا ما لديهم من قوة في السحر وسحروا أعين الناس أعطاه الله آية من جنس سحرهم لأنهم جعلوا الحبال والعصي ثعابين تضطرب حتى خاف الناس منها , فالله سبحانه وتعالى أمره أن يلقي عصاه فصار حية عظيمة فاقت تلك العصي والحبال التي ألقاها السحرة بعشرات الأضعاف وابتلعتها وكانت هذه أعظم معجزاته , وإلاّ فله معجزات أخرى , آتاه الله تسع آيات , لكن من أعظمها أو أعظمها جعل العصا حية التهمت آلات السحر التي جاء بها سحرة فرعون , الأمر الذي جعل السحرة آمنوا , لأنهم عرفوا أن أقصى ما يصل إليه السحرة قد جاءوا به فلما جاء ما هو فوقهم وغلبهم آمنوا بأن ذلك من عند الله وكفروا بفرعون وسحره .
وكذلك لما كان في عصر عيسى عليه الصلاة والسلام الطب شائعًا والطبيب له المكانة العليا في المجتمع جعل الله آياته من هذا الباب , فجعله يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله .
وكذلك معجزة محمد عليه الصلاة والسلام , فقد كان السائد في عصره وفي قومه الفصاحة والبلاغة والبيان , فأعطاه الله هذا القرآن وهو أعظم معجزة أعطيها صلى الله عليه وسلم فكانت هذه المعجزة التي هي أكبر معجزاته من جنس ما يتفاخر به القوم ويعظمونه كالبلاغة والفصاحة والبيان , وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم معجزات كثيرة لكن هذه هي أعظمها , وهي التي تحدى الله بها قريشًا , قال ائتوا بشيء قليل من مثل هذه المعجزة قال ائتوا بعشر سور مثله , ثم قال ائتوا بسورة , وكلها عجزوا ما جاؤوا لا بعشر سور ولا بسورة , وانبهروا من القرآن واندحروا وعجزوا عن مقاومته ومعارضته .
فالله سبحانه وتعالى أجرى العادة بأن معجزات الأنبياء تكون مثل ما هو مشتهر في مجتمع قوم النبي الذي بعث فيهم .
والرسول (6) : ذكر آتاه الله خارقة وقرنها بالتحدي , لأن التحدي شرط , أما الخارقة فقد تأتي إما كرامة لبعض أولياء الله وإما خارق شيطاني , لكن قرْنها بالتحدي هذا هو الذي يجعلها معجزة , يأتي بأمر خارق للعادة ويتحدى الناس أن يعارضوه .
لذا يقول العلماء في تعريف المعجزة: هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي , يجريه الله على يد عبد من عباده , ويكون مدعيًا للنبوة .
وهم إن اختلفوا في التعريف لكن هذه الفصول هي التي يجمعون عليها .
بخلاف الكرامة فإنها أمر خارق للعادة يجريه الله على يد أحد من عباده الصالحين ولكن لا يكون مقرونا بالتحدي .
وأما الخارق الشيطاني فهو أمر خارق للعادة يجريه الله على يد عبد لا يعرف بالصلاح ولا بالاستقامة ولا باتباع السنة , بل يعرف بخلاف ذلك .
فهذه هي الخوارق و المخاريق الشيطانية , وهذا هو الفرق بين الخارق الشيطاني والكرامة والمعجزة .
وما بعث الله من نبي إلا وأعطاه آية على مثلها يؤمن البشر , يعني أعطاه آية تبهر العقول وتخرق العادة ويتحداهم بأن يأتوا بمثلها , ولكنهم يعجزون .
والإيمان بالنبيين أحد أصول الإيمان , فإن المسلمين أجمعوا على أن الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام بشر أوحى الله إليهم واصطفاهم الله واجتباهم واختصهم بوحيه , أما من يسمون بفلاسفة الإسلام , وكذلك الملحدون ممن يدعون الإسلام كالقرامطة والباطنية ومن يسمون بأهل التخييل , فإن هؤلاء لا يقرون بنبوة الأنبياء , وإنما يقولون هم رجال ذوو عبقرية (7) كبيرة ولديهم الشخصية المؤثرة ولديهم الإرادة والإدراك والتخييل الكامل وهم بهذه الصفات يخيلون على الناس أنهم رسل وإلا فهم ناس من الناس امتازوا عليهم بهذه الصفات .
فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم أعطاهم الله قوة الإيمان وقوة الصبر وقوة التوكل على الله , يظهر ذلك من قصة هود عليه الصلاة والسلام , فهود عليه الصلاة والسلام رجل واحد بعث إلى قومه ودعاهم وكذبوه ونسبوه إلى الجنون وإلى السفه: ( قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلاّ اعتراك بعض ألهتنا بسوء ) يعني أصابتك الآلهة بجنون وخبل , ماذا قال ؟ هل خشي منهم وخاف ؟ ( قال إني أشهد الله ) رجل واحد يتحدى امة: ( واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون ) لا تمهلون , كل ما عندكم من كيد , أنا برئ منكم وبرئ من شرككم وبرئ من عبادتكم ولا أعبد إلا الله ولكن أتحداكم بأن تجمعوا كل ما لديكم من سوء وبطش وعذاب وإيذاء وأن لا تمهلون , كل ما لديكم ائتوا به ثم لا تنظرون , علل قوة صبره وعدم اكتراثه بهم وبكثرتهم وبقوتهم علل ذلك بماذا ؟ ( إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ) وكل رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم موقفهم هذا الموقف مع قومهم .
والرسول محمد عليه الصلاة والسلام بعث إلى قومه رجلًا واحدًا ليس له نصير ولا وزير ولا ظهير ولا معين ولاقى منهم أصناف العذاب وأنواع النكال والتسفيه والضرب والتجهيل والحبس والنفي ومع هذا صبر ولم يتأثر بشيء من ذلك حتى أظهره الله عليهم ونصره عليهم وأصبح الأمر له ودحروا و انخذلوا , وهكذا طريقة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم .
(1) / ينظر لسان العرب مادة ألك
(2) / ينظر لسان العرب مادة ألك .
(3) / ينظر حاشية الدرة المضية للشيخ ابن قاسم رحمه الله ص 131 .
(4) / انظر بدائع الفوائد 4/ 1559 ت علي العمران .
(5) / ينظر ص 31.
(6) / الشيخ هنا لم يرد هنا تعريف الرسول , لكنه أراد التفريق بين الرسول والولي ليصل إلى تعريف المعجزة كما سيأتي .
(7) / ولهذا درج بعض المعاصرين بوصف النبي عليه الصلاة والسلام بالعبقرية , وسموا بعض مؤلفاتهم بذلك , مع أن الرسالة أعلى ما يمدح به الرسل , أما العبقرية والذكاء وغيرهما فإنها من ضمن الرسالة .