فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 153

( وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: هذه مسألة إهداء الثواب للغير , أي تصلي وتصوم وتحج وتقرأ قرآنا وتتصدق وتهدي ثواب هذه القُرَب لغيرك .

قوله: ( منفعة للأموات ) ليس ذلك خاصًا بالأموات , بل المسألة تعم الأموات وغيرهم .

ومسألة إهداء القُرَب , هل ينتفع به المهدى له ويصل إليه ويستفيد منه أم لا ؟

هذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: أن كل ما يهدى من طاعات للغير من المسلمين سواء كان ذلك لحيٍ أو ميتٍ يجوز ذلك ويصل ثوابه للمهدى إليه ، وسواء أكان المهدى ثواب عمل بدني أو مالي أو غير ذلك , مطلقا , وهذا في القرآن والسنة الكثير من الأدلة عليه من حيث العمومات .

من ذلك قوله تعالى: ( والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) فهؤلاء استغفروا لغيرهم ودعوا لهم , فلو لم يكن ذلك ينفع لما ورد مثله في القرآن ، والرسول عليه الصلاة والسلام أخبر في مواضع كثيرة أن من حج عن غيره نفعه ذلك (1) , ومن صام عن غيره نفعه ذلك (2) , ومن تصدق عن غيره نفعه ذلك (3) , في آثار كثيرة في هذا المعنى , وهذا عليه مذهب الإمام أحمد وكثير من العلماء .

المذهب الثاني: أن القُرَب تنقسم إلى قسمين:

1 -قرب مالية .

2 -وقرب بدنية .

فالقرب المالية يصح إهداء ثوابها وتصل إلى من أهديت إليه , وأما القرب البدنية فلا يصح إهداؤها ولا يصل إلى المهدي إليه , وهذا عليه كثير من العلماء أيضا , منهم الإمام الشافعي وكثير من أصحابه .

وهؤلاء يستدلون على ذلك بأمور:

منها أثر يروى عن ابن عباس أنه قال ( لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد ) (4) وهذا الأثر موقوف على ابن عباس , وليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم , ولو صح لكان معنى لا يصلى أحد عن أحد بمعنى لا ينوب أحد عن أحد في الفرض , أي لا يقوم إنسان ويصلي صلاة الظهر عن إنسان يعفيه من الصلاة , وليس معناه أنه لا يجوز أن يتبرع بثواب صلاة من صلوات التطوع أو غيرها .

المذهب الثالث: منع ذلك مطلقا سواء أكانت العبادة بدنية أو مالية , وهذا رأي لبعض علماء الكلام وبعض المتصوفة وهو مذهب باطل .

ويحتجون على ذلك بنحو قوله تعالى: ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) ونحوها , يقولون فيها دلالة على أن الإنسان لا ينتفع إلا بسعيه هو .

ولكن القائلون بجواز إهداء ثواب القرب أجابوا عن هذه الآية ونحوها بجوابين:

الجواب الأول: بالمنع ، قالوا لا نسلم أن الآية تدل على أن الإنسان لا يستفيد من سعي غيره , إنما الآية دليل على أن الإنسان لا يملك إلا سعي نفسه , أما سعي غيره فللغير إن شاء تبرع به وأهداه وإن شاء منعه ، وفرق بين قولهم لا ينتفع الإنسان إلا بسعيه وبين قوله لا يملك إلا سعيه ، فكونه لا يملك إلا سعيه هذا مسلم به وتدل عليه الآية الكريمة , ولكن لا ينتفع إلا بسعيه هذا معنى آخر والآية لم تتعرض له , ولو قالت الآية لا ينتفع أحد إلا بسعيه , لكان فيها دليل لكن الآية تقول: ( ليس للإنسان إلا ما سعى ) اللام هنا للملك ، يعني ليس للإنسان على سبيل الملك إلا سعيه , أما سعي غيره فهو للساعي إن شاء تبرع به للغير وأفاده ونفعه وإن شاء أمسكه وحبسه لنفسه .

الجواب الثاني: بالتسليم , قالوا نسلم جدلًا أن الإنسان لا يستفيد إلا من سعيه , لكن كل ما يُهدى إلى الإنسان فهو من سعيه , لأن المُهدي إما أن يكون ولدًا وإما أن يكون زوجا وإما أن يكون صديقا , والمهدى له سعيه في الصداقة وسعيه في التزوج وسعيه في إنجاب الأولاد هذا هو الذي جعلهم يتصدقون ويهدون له , فما يهدى له من ثواب أي قربة كانت فهو من سعيه لأنه سعى إلى التزوج فكان إهداء زوجه له من سعيه , ولأنه سعى إلى إنجاب الأولاد فكان إهداء ولده من سعيه .

فإن قيل: لو أهدى مسلم لمسلم آخر ثواب قربة وهو ليس ولدًا وليس زوجا وليس مثلا صديقا فكيف يكون من سعي المهدى له ؟

قالوا إنه بدخوله في الإسلام وانتسابه لأخوة الإسلام يعتبر هذا سعيا له , وسعيه كونه مسلما وأخا للمهدى له , فيكون كل ما يهدى للإنسان من ثواب قربة فهو حصل له ذلك بسعيه .

ومع كثرة الأدلة الدالة عليه قالوا:

حتى القياس العقلي يدل عليه , ويرد به على الذين فرقوا بين القرب المالية والقرب البدنية والمخالفين , قالوا:

إن الأجير الخاص لو أنه استؤجر على عمل بأجر فإنه لا يجوز له أن ينيب غيره في العمل الذي استؤجر عليه , لكنه إذا استحق الأجر وقبضه يجوز له أن يتبرع به لغيره , فكذلك الأعمال البدنية وإن كانت لا تدخلها النيابة ولا يصح النيابة فيها فإن ثوابها لا بأس بإهدائه لغيره .

والراجح أن ثواب القرب يصل مطلقا , سواء أكانت بدنية أو مالية , وسواء أكانت لحي أو لميت هذا عليه أكثر العلماء من السلف .

(1) / منها ما روى البخاري في صحيحه ( 1852 ) باب الحج والنذور عن الميت: أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها ؟ قال: ( نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟! اقضوا الله فالله أحق بالوفاء ) .

(2) / لحديث ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) رواه البخاري ( 1952 ) ومسلم ( 1147 )

(3) / لما روى البخاري في صحيحه ( 2756 ) : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها أن تصدقت عنها؟ قال: ( نعم ) قال: فإني أشهدك أن حائط المخراف صدقة عنها ) , وما رواه مسلم ( 1632 ) وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) .

(4) / رواه النسائي في السنن الكبرى 3/141 بسند صحيح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت