وَأَيْضًا لَوْ اعْتَبَرْنَا حَقِيقَةَ اللَّفْظِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَوْ خَلَا بِهَا وَمَسَّهَا بِيَدِهِ أَنْ تَسْتَحِقَّ كَمَالَ الْمَهْرِ لِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْمَسِّ ، وَإِذَا لَمْ يَخْلُ بِهَا وَمَسَّهَا بِيَدِهِ
خَصَّصْنَاهُ بِالْإِجْمَاعِ ؛ وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْجِمَاعَ ، فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ وَفِي حُكْمِهِ مِنْ صِحَّةِ التَّسْلِيمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} وَمَا قَامَ مَقَامَهُ مِنْ الْفُرْقَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ فِي إبَاحَتِهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَجْبُوبِ إذَا جَامَعَ امْرَأَتَهُ (أَنَّ عَلَيْهِ كَمَالَ الْمَهْرِ إنَّ طَلَّقَ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ) فَعَلِمْنَا أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِوُجُودِ الْوَطْءِ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِصِحَّةِ التَّسْلِيمِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ التَّسْلِيمُ قَائِمًا مَقَامَ الْوَطْءِ لَوَجَبَ أَنْ يَحِلَّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ كَمَا يَحِلُّ الْوَطْءُ.
قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ إنَّمَا هُوَ عِلَّةٌ لِاسْتِحْقَاقِ كَمَالِ الْمَهْرِ وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ لِإِحْلَالِهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ اسْتَحَقَّتْ كَمَالَ الْمَهْرِ وَكَانَ الْمَوْتُ بِمَنْزِلَةِ الدُّخُولِ وَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ.
قَوْله تَعَالَى: {إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} قَوْله تَعَالَى: {إلَّا أَنْ يَعْفُونَ} الْمُرَادُ بِهِ الزَّوْجَاتُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْأَزْوَاجَ لَقَالَ (إلَّا أَنْ يَعْفُوا) وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.