وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} تَسْمِيَةُ الْمِقْدَارِ فِي الْعَقْدِ ، أَنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَ الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ مَنْ فُرِضَ لَهَا وَطَلُقَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَلَمَّا كَانَ الْأَوَّلُ عَلَى
نَفْيِ التَّسْمِيَةِ كَانَ الثَّانِي عَلَى إثْبَاتِهَا ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ لَهَا نِصْفَ الْمَفْرُوضِ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ سُمِّيَ لَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ ثُمَّ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: (لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ، وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: (لَهَا نِصْفُ الْفَرْضِ) ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: (لَهَا نِصْفُ الْفَرْضِ) وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا أَنَّ مُوجَبَ هَذَا الْعَقْدِ مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَقَدْ اقْتَضَى وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ وُجُوبَ الْمُتْعَةِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَمَّا تَرَاضَيَا عَلَى تَسْمِيَةٍ لَمْ يَنْتَفِ مُوجَبُ الْعَقْدِ مِنْ الْمُتْعَةِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْفَرْضَ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِي الْعَقْدِ كَمَا لَمْ يَكُنْ مَهْرُ الْمِثْلِ مُسَمًّى فِيهِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا بِهِ ، فَلَمَّا كَانَ وُرُودُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُول مُسْقِطًا لِمَهْرِ الْمِثْلِ بَعْد وُجُوبِهِ ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِي الْعَقْدِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْمَفْرُوضِ بَعْدَهُ ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِيهِ.