وجعل الإمام هذا مفهوماً من التعبير بالعقدة لأنها تدل على المفعول كالأكلة واللقمة والذي بيده ذلك الزوج والذي بيد الولي العقد وهو المصدر كالأكل واللقم لا العقدة الحاصلة بعد العقد {وأن تعفوا} أيها الرجال والنساء {أقرب} أي من الحكم بالعدل الذي هو السواء.
ولما كان المقام للترغيب عبر باللام الدالة على مزيد القرب دون إلى فقال: {للتقوى} أما من المرأة فلأجل أن الزوج لم ينل منها شيئاً ولا حظي بطائل فهو أقرب إلى رضاه ، وأما من الرجل فلما أشار إليه بجعل العقدة بيده فإنه كما ربطها باختياره حلها باختياره فدفعه الكل أقرب إلى جبر المرأة ورضاها ، ومن فعل الفضل كان بفعله ذلك أقرب إلى أن يفعل الواجب بمن لم يفضل.
ولما كان العفو فضلاً من العافي وإحساناً لها منه وكانوا إنما يتفاخرون بالفضائل أكده بقوله: {ولا تنسوا} أي تتركوا ترك المنسي ، والتعبير بالنسيان آكد فِي النهي {الفضل} أي أن تكونوا مفضلين فِي جميع ما مضى لا مفضلاً عليكم ، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى ، وزاده تأكيداً بقوله: {بينكم} أي حال كونه واقعاً فيكم من بعضكم لبعض ليس شيء منه خارجاً عنكم ، ولن ينال الله منه شيء لأنه غني عن كل شيء ، فما أمركم به إلا لنفعكم خاصة ، لئلا يتأذى الزوج ببذل لم ينتفع فِي مقابله من المرأة بشيء ، ولا المرأة بطلاق لم يحصل لها فِي نظير ما يلحقها من الكسر بسببه شيء ، وهو يصح أن يكون بالتغليب خطاباً للقبيلين.
وخصه الحرالي بالرجال فقال: فمن حق الزوج الذي له فضل الرجولة أن يكون هو العافي وأن لا يؤاخذ النساء بالعفو ، ولذلك لم يأت فِي الخطاب أمر لهن ولا تحريض ، فمن أقبح ما يكون حمل الرجل على المرأة فِي استرجاع ما آتاها بما يصرح به قوله: {أو آتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} [آل عمران: 20] فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا به - انتهى.