قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي إِبَاحَةِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا أَبَاحَ مِنَ التَّعْرِيضِ بِنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ لَهَا فِي حَالِ عِدَّتِهَا وَحَظَرَهُ التَّصْرِيحَ، مَا أَبَانَ عَنِ افْتِرَاقِ حُكْمِ التَّعْرِيضِ فِي كُلِّ مَعَانِي الْكَلَامِ وَحُكْمِ التَّصْرِيحِ مِنْهُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّ التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ غَيْرُ التَّصْرِيحِ بِهِ، وَأَنَّ الْحَدَّ بِالتَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ لَوْ كَانَ وَاجِبًا وُجُوبَهُ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ لَوَجَبَ مِنَ الْجَنَاحِ بِالتَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ نَظِيرَ الَّذِي يَجِبُ بِعَزْمِ عُقْدَةِ النِّكَاحِ فِيهَا، وَفِي تَفْرِيقِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بَيْنَ حُكَمَيْهَا فِي ذَلِكَ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى افْتِرَاقِ أَحْكَامِ ذَلِكَ فِي الْقَذْفِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَ الْمُعْتَدَّاتِ فِي عَدَدِهِنَّ بِالْخِطْبَةِ فِي أَنْفُسِكُمْ وَبِأَلْسِنَتِكُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى السِّرِّ الَّذِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنْ مُوَاعَدَةِ الْمُعْتَدَّاتِ بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الزِّنَا
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} قَالَ: فَذَلِكَ السِّرُّ: الزِّنْيَةُ، كَانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ مِنْ أَجْلِ الزِّنْيَةِ وَهُوَ يُعَرِّضُ بِالنِّكَاحِ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، إِلَّا مَنْ قَالَ مَعْرُوفًا"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تَأْخُذُوا مِيثَاقَهَنَّ، وَعُهُودَهُنَّ فِي عَدَدِهِنَّ أَنْ لَا يَنْكِحْنَ غَيْرَكُمْ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ يَقُولَ لَهَا الرَّجُلُ: لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا تَنْكِحُوهُنَّ فِي عِدَّتِهِنَّ سِرًّا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: السِّرُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الزِّنَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْجِمَاعَ، وَغِشْيَانَ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ سِرًّا، لِأَنَّ