وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ: الْخِطْبَةُ أَخْطُبُ خِطْبَةً وَخَطْبًا، قَالَ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ} يُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ هَذَا. قَالَ: وَأَمَّا الْخِطْبَةُ، فَهُوَ الْمَخْطُوبُ مِنْ قَوْلِهِمْ. خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَاخْتَطَبَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْخِطْبَةُ عِنْدِي هِيَ «الْفِعْلَةُ» مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: خَطَبْتُ فُلَانَةَ، كَالْجِلْسَةِ مِنْ قَوْلِهِ: جَلَسَ، أَوِ الْقِعْدَةِ مِنْ قَوْلِهِ: قَعَدَ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: خَطَبَ فُلَانٌ فُلَانَةَ سَأَلَهَا خِطْبَةً إِلَيْهَا فِي نَفْسِهَا، وَذَلِكَ حَاجَتُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَا خَطْبُكَ؟ بِمَعْنَى: مَا حَاجَتُكَ وَمَا أَمْرُكَ؟.
وَأَمَّا التَّعْرِيضُ فَهُوَ مَا كَانَ مِنْ لَحْنِ الْكَلَامِ الَّذِي يَفْهَمُ بِهِ السَّامِعُ الْفَهِمُ مَا يَفْهَمُ بِصَرِيحِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} أَوْ أَخْفَيْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ، فَأَسْرَرْتُمُوهُ مِنْ خِطْبَتِهِنَّ، وَعَزْمِ نِكَاحِهِنَّ وَهُنَّ فِي عَدَدِهِنَّ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَيْضًا فِي ذَلِكَ إِذَا لَمْ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ. يُقَالُ مِنْهُ: أَكَنَّ فُلَانٌ هَذَا الْأَمْرَ فِي نَفْسِهِ، فَهُوَ يُكِنُّهُ إِكْنَانًا، وَكَنَّهُ: إِذَا سَتَرَهُ، يَكُنُّهُ كَنًّا وَكُنُونًا، وَجَلَسَ فِي الْكِنِّ. وَلَمْ يُسْمَعْ: كَنَنْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنَّمَا يُقَالُ: كَنَنْتُهُ فِي الْبَيْتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ: إِذَا خَبَّأْتُهُ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {كَأَنَّهُنَّ بِيضٌ مَكْنُونٌ} أَيْ مَخْبُوءٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
ثَلَاثٌ مِنْ ثَلَاثِ قُدَامَيَاتٍ ... مِنَ اللَّائِي تَكُنُّ مِنَ الصقيعِ
وَتَكُنُّ بِالتَّاءِ هُوَ أَجْوَدُ وَيَكُنُّ، وَيُقَالُ: أَكَنَّتْهُ ثِيَابُهُ مِنَ الْبَرْدِ، وَأَكَنَّهُ الْبَيْتُ مِنَ الرِّيحِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ:" {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} قَالَ: الْإِكْنَانُ: ذِكْرُ خِطْبَتِهَا فِي نَفْسِهِ لَا يُبْدِيهِ لَهَا، هَذَا كُلُّهُ حِلٌّ مَعْرُوفٌ"