وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي رَفْعِ يَتَرَبَّصْنَ بِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ يَنْبَغِي فِيمَا مَضَى، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: إِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ «الَّذِينَ» بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ صَارَ الَّذِينَ فِي خَبَرِهِمْ مِثْلَ تَأْوِيلِ الْجَزَاءِ: مَنْ يَلْقَكَ مِنَّا تُصِبْ خَيْرًا، الَّذِي يَلْقَاكَ مِنَّا تُصِيبُ خَيْرًا قَالَ: وَلَا يَجُوزُ هَذَا إِلَّا عَلَى مَعْنَى الْجَزَاءِ، وَفِي الْبَيْتَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَالَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: يَحْتَبِسْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ مُعْتَدَّاتٍ عَنِ الْأَزْوَاجِ، وَالطِّيبِ، وَالزِّينَةِ، وَالنُّقْلَةِ عَنِ الْمَسْكَنِ الَّذِي كُنَّ يَسْكُنَّهُ فِي حَيَاةِ أَزْوَاجِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا إِلَّا أَنْ يَكُنَّ حَوَامِلَ، فَيَكُونُ عَلَيْهِنَّ مِنَ التَّرَبُّصِ كَذَلِكَ إِلَى حِينَ وَضْعِ حَمْلِهِنَّ، فَإِذَا وَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ انْقَضَتْ عِدَدُهُنَّ حِينَئِذٍ.
عَنْ حَفْصَةَ ابْنَةِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ»
عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تُفْتِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنَّ تُحِدَّ عَلَى زَوْجِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَلَا مُعَصْفَرًا، وَلَا تَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ، وَلَا بِكُحْلٍ فِيهِ طِيبٌ وَإِنْ وَجِعَتْ عَيْنُهَا، وَلَكِنْ تَكْتَحِلُ بِالصَّبِرِ وَمَا بَدَا لَهَا مِنَ الْأَكْحَالِ سِوَى الْإِثْمِدِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، وَلَا تَلْبَسُ حُلِيًّا، وَتَلْبَسُ الْبَيَاضَ، وَلَا تَلْبَسُ السَّوَادَ»
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أُمِرَتِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَرَبَّصَ بِنَفْسِهَا عَنِ الْأَزْوَاجِ خَاصَّةً، فَأَمَّا عَنِ الطِّيبِ، وَالزِّينَةِ، وَالْمَبِيتِ عَنِ الْمَنْزِلِ فَلَمْ تَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ تُؤْمَرُ بِالتَّرَبُّصِ بِنَفْسِهَا عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ:" {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} وَلَمْ يَقُلْ تَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا، فَلْتَعْتَدَّ حَيْثُ شَاءَتْ"