إن قيل: لم رفع الجناح عنهما وذلك يجب أن يرفع عن الزوج الذي يأخده ؟ قيل: لأن من الدفع ما يؤثم الأخذ والدافع كالربا ، ومنه ما يؤثم أحدهما ، فبين أن الجناح مرفوع عنهما ، وليس ما قال الفراء أنه لا جناح على أحدهما ، فنسب إليهما ، كقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ} بشيء ، وذكر أن كل ما بينه حدود الله ، ولا يجوز تعديها ، فإن من تعداها ظالم يستحق ما يستحقه..
قوله - عز وجل:
{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
الآية (230) - سورة البقرة.
هذا الحكم متعلق بقوله: (الطلاق مرتان) ، وقدم فصل بينهما بحكم الخلع وكيفية جوازه ، فلما فرغ منه رجع إلى حكم الطلاق ، فقال: (فإن طلقها) أي بعد الثنتين فلا تحل له أو لا يجوز أن يتزوج بها حتى تنكح زوجاً غيره ، وبين أن ليس للإنسان أكثر من ثلاث تطليقات ، والنكاح الذي يحلها للزوج الأول ظاهره يقتضي العقد ، وإليه ذهب سعيد بن المسيب وأهل الظاهر ، لكن قد ورد عن النبي - عليه السلام - ما اقتضي معه الوطء حيث قال:"حتى تذوقي عسيلته ، ويذوق عسيلتك"، وقيل: حكمة الله
-عز وجل - فِي تحريمها عليه إلاً بعد أن يتزوج زوجة أخر الردع إلى التسرع فِي الطلاق ، ولهذا دعا أن يتأنى فِي تطبيقها ، فيطلقها للعدة طلقة بعد طلقة ، ونبه على ذلك بقوله: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} .