إن قيل: كيف استعير لفمظ الخبر للأمر فِي قوله: {يَتَرَبَّصْنَ} ؟ قيل: لما كانت العدة تحصل من الرأي بانقضاء الأيام ، نوتها أو لم تنوها ، أجدت أو لم تجد صار لفظ الخبر أملك له من لفظ الأمر ، ويدلك على صحة هذا الاعتبار إتيان جميع العدد بلفظ الخبر وقوله: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ} عنى كتمان ما فِي أرحامهن من الحيض والحبل ، وأنه لا يجوز أن تكون حاملاً ، فتقول: ليست بحامل ، أو لم تكن حاملاً ، فتقول: أنا حامل ، ولا أن تدعي الحيض أو تنفيه على ذلك ، وذلك عام فِي كل ذلك ، وإن مثل كل واحد من متقدمي المفسرين لشيء من ذلك ، ومن قال: لا يجور أن يكون الحيض ، لأن الحيض لم يخلق فِي الرحم ، وإنما هو دم يرد إليه من جميع البدن ، فعلى هذا قوله: {فِي أَرْحَامِهِنَّ} لا يكون من صلة خلق ، بل يكون من صلة قوله (ولا يكتمن) ، أي: لا يكتمن فِي أرحامهن ما خلق الله فإنه لا شك أن يحصل فِي الرحم خلق فيه أو لم يخلق ، ونهيها عن كتمان ذلك دال على أن قولها مقبول فيما تدعي من حيضها وحملها فيما يتعلق بحقها ، فإن تعلق بذلك شي ، ليس من حقها ، فيجور أن لا يقبل إذا اتهمت ، كمن يقول:"عبدي حر"أو"امرأته طالق إن حاضت"، فقالت:"قد حضت ، فمتى لم يصدقها لم يعتق عبده ولم يطلق امرأته ، وقوله: {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، فليس ذلك شرطاً فِي أنهن إذا لم يكن مؤمنات ، يجوز أن يكتمن ، وإنما ذلك تنبيه أنه مناف للإيمان ، وأنه ليس من فعل المؤمن ، كقوله: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، وقوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} دال عي بينة مراجعتها ما دامت معتدة ، ولم يعن بالرد تجديد نكاح يشارك فيه غيره فِي الحال ، وإنما عنى الرجعة الموجبة لبقاء النكاح بلد انقضاء"