وهذه الصورة التي يحبها الله للمؤمنين ترسم لهم طبيعة دينهم , وتوضح لهم معالم الطريق , وتكشف لهم عن طبيعة التضامن الوثيق الذي يرسمه التعبير القرآني المبدع: (صفا كأنهم بنيان مرصوص) . . بنيان تتعاون لبناته وتتضامن وتتماسك , وتؤدي كل لبنة دورها , وتسد ثغرتها , لأن البنيان كله ينهار أذا تخلت منه لبنة عن مكانها . تقدمت أو تأخرت سواء . وإذا تخلت منه لبنة عن أن تمسك بأختها تحتها أو فوقها أو على جانبيها سواء . . إنه التعبير المصور للحقيقة لا لمجرد التشبيه العام . التعبير المصور لطبيعة الجماعة , ولطبيعة ارتباطات الأفراد في الجماعة . ارتباط الشعور , وارتباط الحركة , داخل النظام المرسوم , المتجه إلى هدف مرسوم .
الدرس الثالث:5 - 6 موسى وعيسى يقرعان بني إسرائيل لسوء فعلهم
بعدئذ يذكر قصة هذا المنهج الإلهي ومراحلها في الرسالات قبل الإسلام .
(وإذ قال موسى لقومه:يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ? فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم , والله لا يهدي القوم الفاسقين) .
وإذ قال عيسى بن مريم:يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد . .
وإيذاء بني إسرائيل لموسى - وهو منقذهم من فرعون وملئه , ورسولهم وقائدهم ومعلمهم - إيذاء متطاول متعدد الألوان , وجهاده في تقويم اعوجاجهم جهاد مضن عسير شاق . ويذكر القرآن في قصص بني إسرائيل صورا شتى من ذلك الإيذاء ومن هذا العناء .
كانوا يتسخطون على موسى وهو يحاول مع فرعون إنقاذهم , ويتعرض لبطشه وجبروته وهم آمنون بذلتهم له ! فكانوا يقولون له لائمين متبرمين: (أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) ! كأنهم لا يرون في رسالته