نقف أولا أمام النفس البشرية التي تلم بها لحظات الضعف الطارئة , فلا يعصمها منها إلا عون الله , وإلا التذكير الدائم , والتوجيه الدائم , والتربية الدائمة . . فهؤلاء جماعة من المسلمين قيل في بعض الروايات:إنهم من المهاجرين الذين كانوا يتمنون أن يأذن الله لهم في القتال وهم في مكة من شدة الحماس والاندفاع . وكانوا يؤمرون بكف أيديهم وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة (فلما كتب عليهم القتال) في المدينة في الوقت المناسب الذي قدره الله (إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية , وقالوا:ربنا لم كتبت علينا القتال ? لولا أخرتنا إلى أجل قريب !) . . أو هم جماعة من المسلمين في المدينة كانوا يسألون عن أحب الأعمال إلى الله ليفعلوه فلما أمروا بالجهاد كرهوه !
وهذه الوقفة كفيلة بأن تفتح أعيننا على ضرورة الموالاة للنفس البشرية بالتقوية والتثبيت والتوجيه ; وهي تواجه التكاليف الشاقة , لتستقيم في طريقها , وتتغلب على لحظات ضعفها , وتتطلع دائما إلى الأفق البعيد . كما تلهمنا أن نتواضع في طلب التكاليف وتمنيها ونحن في حالة العافية ! فلعلنا لا نقوى على ما نقترح على الله حين يكلفنا إياه ! وهؤلاء جماعة من المسلمين الأوائل يضعفون ويقولون ما لا يفعلون ; حتى يعاتبهم الله هذا العتاب الشديد , وينكر عليهم هذا الإنكار المخيف !
ونقف ثانية أمام حب الله للذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص . . نقف أمام هذا الإغراء القوي العميق على القتال في سبيل الله . . وأول ما يسجل هنا أنه كان لمواجهة حالة تقاعس وتخلف وكراهية للقتال . ولكن هذا السبب الغريب في الحادث المحدود لا ينفي أن الحض عام , وأن وراءه حكمة دائمة .