وهذه السمة في شخصية المسلم يدق القرآن عليها كثيرا , وتتابعها السنة في تكرار يزيدها توكيدا:يقول الله تعالى منددا باليهود: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب . أفلا تعقلون ?) . . ويقول تعالى منددا بالمنافقين: (ويقولون:طاعة . فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول) . . ويقول فيهم كذلك: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام , وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) . . ويقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :"آية المنافق ثلاث:إذا حدث كذب , وإذا وعد أخلف , وإذا أؤتمن خان". والأحاديث في هذا المعنى كثيرة . ولعل الحديث الذي سنذكره هنا من أدق وألطف التوجيهات النبوية الكريمة في هذا الاتجاه . . روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبدالله بن عامر بن ربيعة قال:أتانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنا صبي , فذهبت لأخرج لألعب . فقالت أمي:يا عبدالله تعال أعطك . فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :"وما أردت أن تعطيه !"فقالت:تمرا . فقال:"أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة". . ولعله استقاء من هذا النبع النبوي الطاهر الرائق امتنع الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - من الرواية من رجل سافر إليه مسافات شاسعة ليأخذ عنه حديثا . حينما وجده يضم حجره ويدعو بغلته يوهمها بطعام وحجره فارغ ! فتحرج أن يروي عنه , وقد كذب على بغلته !
فهذا بناء أخلاقي دقيق نظيف لضمير المسلم وشخصيته التي تليق بمن يقوم أمينا على منهج الله في الأرض .وهو الأمر الذي تقرره هذه السورة . وهذه حلقة من حلقات التربية في الجماعة المسلمة التي يعدها الله لتقوم على هذا الأمر .
فإذا جئنا للموضوع المباشر الذي كانت هذه الآيات تواجهه عند نزولها . . وهو موضوع الجهاد . . فإننا نقف أمام موضوعات شتى للحديث والملاحظة والعبرة .