والمعنى أن هذا صوت محبوبي يسمع فاسمعوه، فإنه أتى يقفز على الجبال لأنه تولد في الحجاز، وهي أرض وعرة كثيرة الجبال، ويظفر على الأتلال لأنه ربي في البر مع بني تميم، إن محبوبي كالغزال، جملة استئنافية تتضمن بعض صفاته صلى الله عليه وسلم، وذلك إشارة إلى أنه كان طويل العنق أسمر العينين، أو كخشف الأوعال عطف على كالغزال وتأكيد لها، هذا هو واقف خلف جدارنا، هذا للتحضيض في الاصطفاء لكلامه، وخلف جدارنا إشارة إلى قرب زمانه أو إلى ضرورة إتيانه، يطل من الكوة ويظهر نفسه من الشباك، إشارة إلى علو مكانه وسمو مقامه، وإلى أنه يأتي إلى بلدهم لكن لا يتوقف فيها، بل يكون فيها كالذي ينظر من الشباك، وفيه إشارة إلى المعراج الجسماني لأن قوله: يطل وينظر فيهما إشارة إلى غاية انتهاء النظر، وهو يدل على التحدُّد الجسماني وعلى ارتفاع مكان الناظر، وفيه رد على من ينكر معراجه بالجسم.
فتكلمت محبوبتي وقالت، اطراد من المتكلم إلى المخاطب، والتأنيث باعتبار القبيلة أو البلد، قم يا محبوبي وجميلي وتعال، إظهار للرغبة في ظهوره صلى الله عليه وسلم، فإن الشتاء قد مضى، يريد بالشتاء مدة ما بينهما من الزمان، أو زمان الفترة بينه وبين عيسى عليه السلام، والمطر قد انقضى،
يريد به الحاجب عن الظهور إما ما هو من جهة غلبة الجهل والفساد، أو ما هو من جهة تغير أحوال الخلق وانتقالهم من العيافة إلى السذاجة، وذلك لأن المطر يمنع الرجل من الخروج من كنه، وظهر الزهر على الربى، ترغيب له في الإتيان، وبيان نهي القوم لقبول دعوته، وقرب زمان الترنم، تأكيد لقوله: ظهر الزهر إلخ، وفيه إشارة إلى بيان رغبة الناس في تلاوة المصحف، وذلك مما لم يتفق لأحد من الأنبياء، فإني لم أر أمة من الأمم يتعاطون حفظ ناموسهم على الخاطر كما يفعل المسلمون من حفظ القرآن، وقد سمع صوت اليمامة في أرضنا الخ، هذا كله ماض بمعنى المستقبل الضروري الوقوع، فقم يا محبوبي وجميلي وتعال.