عن ابن عباس قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون وددنا لو أن الله أخبرنا بأحب الأعمال فنعمل به فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، بأن أحب الأعمال إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصية الذين خالفوا الإيمان. ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، فقال الله (لم تقولون ما لا تفعلون) ؟ قال النخعي: ثلاث آيات في كتاب الله منعتني أن أقضي على الناس، (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) ، وهذه الآية، ثم ذمهم سبحانه على ذلك فقال:
(كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) أي عظم ذلك في المقت، وهو أشد البغض، والمقت، والمقاية مصدران يقال: مقيت ومقوت إذا لم يحبه الناس، قال الكسائي: أن تقولوا في موضع رفع لأن كبر فعل بمعنى بئس، ومقتاً منتصب على التمييز، وعلى هذا فيكون في كبر ضمير مبهم مفسر بالنكرة. وأن تقولوا هو المخصوص بالذم، وقيل: إنه قصد بقوله كبر التعجب، وقد عده ابن عصفور من أفعال التعجب المبوب لها في النحو وإليه نحا الزمخشري. وقال: هذا من أفصح الكلام وأبلغه، ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، قال السمين: وهذه قاعدة مطردة، وهي أن كل فعل يجوز التعجب منه، يجوز أن يبنى على فعل بضم العين ويجري مجرى نعم وبئس في جميع الأحكام. وقيل: إنه ليس من أفعال الذم ولا من أفعال
التعجب، بل هو مسند إلى (أن تقولوا) ، ومقتاً تمييز محول عن الفاعل.
قال ابن عباس: هذه الآية في القتال وحده، وهم قوم كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول الرجل: قاتلت وضربت بسيفي ولم يفعل فنزلت: