قلت: الإيمان بالله في حال وحدته يستلزم الإيمان بالجميع، مع أن المراد الوحدة الإلهية ردًا للأصنام.
قال بعض المشايخ: أسوة إبراهيم: خلة الله، والتبرؤ مما سوى الله، والتخلق بخلق الله، والتأوه والبكاء من شوق الله.
وقال ابن عطاء رحمه الله تعالى: الأسوة القدوة بالخليل في الظاهر من الأخلاق الشريفة، وهو: السخاء، وحسن الخلق، واتباع ما أمر به على الكرب، وفي الباطن: الإخلاص في جميع الأفعال، والإقبال عليه في كل الأوقات، وطرح الكل في ذات الله تعالى. وأسوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظاهر العبادات، دون البواطن والأسرار؛ لأن أسراره لا يطيقها أحد من الخلق؛ لأنه باين الأمة بالمكان ليلة المعراج ووقع عليه تجلي الذات. انتهى.
أمر الله سبحانه وتعالى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقتدوا بسيدنا إبراهيم عليه السلام ومن معه من الأنبياء والأولياء. {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ} آزر {لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} يا أبي، فليس لكم الاقتداء بإبراهيم في ذلك الاستغفار؛ لأنه إنما استغفر لأبيه لأجل موعدة وعدها إياه؛ لأنه ظن أنه أسلم، فلما مات على الكفر .. تبرأ منه، وأنتم لا تظنون إسلام الكفار الذين اتخذتموهم أولياء، فهو استثناء متصل من قوله: {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ، وصح ذلك؛ لأن القول من جملة الأسوة، كأنه قيل: قد كانت أسوة حسنة في إبراهيم في جميع أقواله وأفعاله إلا قوله لأبيه. أو من قوله: {فِي إِبْرَاهِيمَ} بتقدير مضاف محذوف ليصحّ الاستثناء؛ أي: قد كانت لكم أسوة حسنة في مقالات إبراهيم، إلا قوله لأبيه: {لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} . أو من التبرؤ والقطيعة التي ذكرت؛ أي: لم يواصله إلا قوله. ذكر هذا ابن عطية. أو منقطع؛ أي: لكن قول إبراهيم لأبيه: {لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} فلا تتأسوا به فتستغفرون للمشركين، فإنه كان من موعدة وعدها إياه. أو أن ذلك إنما وقع منه لأنه ظن أنه قد أسلم، فلما تبين له أنه عدو الله .. تبرأ منه، كما تقدم آنفًا.