ثم قال:"من يضيف هذا هذه الليلة يرحمه الله؟"فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله ، فأتى به منزله ، فقال لأهله: هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأكرميه ولا تدَّخري عنه شيئاً ، فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية ، فقال: قومي فعلِّليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يطعموا شيئاً ، ثم أصبحي سراجِك ، فإذا أخذ الضيف ليأكل ، فقومي كأنك تصلحين السراج ، فأطفئيه ، وتعالَيْ نمضغ ألسنتنا لأجل ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يشبع ، ففعلت ذلك ، وظن الضيف أنهما يأكلان معه ، فشبع هو ، وباتا طاويَين ، فلما أصبحا غَدَوَا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما نظر إليهما تبسَّم ، ثم قال: ضحك الله الليلة ، أو عجب من فَعالكما"، فأنزل الله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ...} الآية."
أخرجه البخاري ومسلم في"الصحيحين"من حديث أبي هريرة وفي بعض الألفاظ عن أبي هريرة: أن الضيف كان من أهل الصُّفَّة ، والمضيف كان من الأنصار ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"لقد عجب من فعالكما أهلُ السماء".
والثاني: أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أُهْدِيَ له رأسُ شاةٍ ، فقال: إِن أخي فلاناً وعياله أحوج إِلى هذا منا ، فبعث به إِليه ، فلم يزل يبعث به واحد إلى واحد حتى تداولها سبعة أهل أبيات ، حتى رجعت إلى أولئك ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عمر.
وروي نحو هذه القصة عن أنس بن مالك قال: أُهدي لبعض الصحابة رأسُ شاةٍ مشويّ ، وكان مجهوداً ، فوجَّه به إلى جارٍ له فتناوله تسعةُ أنفس ، ثم عاد إلى الأول ، فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: {ومن يوق شح نفسه} وقرأ ابن السميفع ، وأبو رجاء ،"ومن يُوَقَّ"بتشديد القاف.
قال المفسرون: هو أن لا يأخذ شيئاً مما نهاه الله عنه ، ولا يمنع شيئاً أمره الله بأدائه.
والمعنى: أن الأنصار ممن وُقِيَ شُحَّ نفسه حين طابت أنفسهم بترك الفيئ للمهاجرين.
فصل