قال: حاجتي أن تأذن لي فارتفع إليك ، فأذن له فارتفع إليه في صومعته فأقام الأبيض معه حولا يتعبد لا يفطر إلاّ في كل أربعين يوماً ولا ينفتل عن صلاته إلاّ في كل أربعين يوماً مرّة وربّما مدَّ إلى الثمانين ، فلما رأى برصيصا أجتهاده تفاطرت إليه نفسه فأعجبه شأن الأبيض ، فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إني منطلق فأنَّ لي صاحباً غيرك ظننت أنك أشدّ اجتهاداً ممّا أرى ، وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت ، قال: فدخل على برصيصا من ذلك أمر شديد وكره مفارفته للّذي رأى من شدّة اجتهاده ، فلما ودّعه قال له الأبيض: إنَّ عندي دعوات أعلّمكها أياك تدعو بهن فهي خير مما أنت فيه ، يشفي الله بها السقيم ، ويعافي بها المبتلى والمجنون ، قال برصيصا: إني أكره هذه المنزلة ، لأن لي في نفسي شغلا وإني أخاف إنْ علم بهذا الناس شغلوني عن العبادة ، فلم يزل به الأبيض حتى علّمه ، ثم انطلق حتى أتى أبليس فقال له: قد والله أهلكتُ الرجل ، قال: فانطلق الأبيض فتعرّض لرجل فخنقه ثم جاءه في صورة رجل متطبّب فقال لأهله: إنَّ بصاحبكم جنوناً فأعالجه؟ قالوا: نعم ، فقال لهم: إني لا أقوى على جنِّيَته ولكن سأرشدكم إلى من يدعو الله عزّ وجلّ فيعافى ، فقالوا له: دلّنا ، فانطلقوا إلى برصيصا فإنَّ عنده أسم الله الذي إذا دعى به أجاب ، قال: فانطلقوا إليه فسألوه ذلك فدعا بتلك الكلمات فذهب عنهُ الشيطان ، وكان يفعل الأبيض بالناس مثل ، من مكانك قال: وما هي؟ قال: تسجد لي ، قال: أفعل ، فسجد له ، فقال: يا برصيصا هذا الذي أردت منك صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربّك فلما كفر قال: {إني أَخَافُ الله رَبَّ العالمين} يقول الله سبحانه: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ} يعني الشيطان وذلك الإنسان {أَنَّهُمَا فِي النار خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ الظالمين} .