فالنبي -صلى الله عليه وسلم- سمع (ولا يقال استمع) إلى الغناء المباح الذي كان يصدر من الجواري ولم يقترن هذا الغناء بآلة موسيقية غير الدف، وهو المشروع من بين جميع الملاهي والآلات بثبوت ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
الوجه السادس: صفة الغناء المحرم فما دين الله.
وقد سبق بيانه في كلام الإمام النووي رحمه الله تعالي في الوجه الثالث.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: أما سماع القنيات فيجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته؛ إذ ليس شيء منها عليه حرامًا، لا من ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها؟ إما أنه لا يجوز انكشاف النساء للرجال، ولا هتك الأستار، ولا سماع الرفث؛ فإذا خرج ذلك إلى ما لا يجوز منع من أوله، واجتث من أصله.
وقال أبو بكر الخلال: الغناء والنوح واحد، مباح ما لم يكن معهما منكر، ولا فيه طعن، وفي الجملة، من اتخذه صناعة يؤتى له، أو اتخذ غلامًا أو جارية مغنيين يجمع عليهما الناس، فلا شهادة له لأنه سفه، وسقوط مروءة.
وقال ابن رجب الحنبلي (1) : وأما الغناء المهيج للطباع، المثير للهوى، فلا يباح لرجل ولا لامرأة فعله ولا استماعه؛ فإنه داع إلى الفسق، والفتنة في الدين، والفجور؛ فيحرم كما يحرم النظر بشهوة إلى الصور الجميلة، فإن الفتنة تحصل بالنظر وبالسماع؛ ولهذا جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- زنا العينين النظر، وزنا الأذن الاستماع.
ولا خلاف بين العلماء المعتبرين في كراهة الغناء وذمه وذم استماعه، ولم يرخص فيه أحد يعتد به. وقد حكيت الرخصة فيه على بعض المدنيين.
وقد روى أحمد، عن إسحاق الطباع، أنه سأل مالكًا عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقالَ: إنما يفعله عندنا الفساق. وكذا قالَ إبراهيم بن المنذر الحزامي. وهو من علماء أهل المدينة- أيضًا. وقد نص أحمد على مخالفة ما حكي عن المدنيين في ذَلِكَ.
قال الإمام الذهبي: أهل المدينة يترخصون في الغناء، هم معروفون بالتسامح فيه.
وكذا نص هو وإسحاق على كراهة الشعر الرقيق الذي يشبب به النساء.
وقال أحمد: الغناء الذي وردت فيه الرخصة هو غناء الراكب: أتيناكم أتيناكم.