يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا"، فبقي إنكار أبي بكر العام مُسَلمًا فيه لإقراره - صلى الله عليه وسلم-إياه؛ ولكنه استثنى منه الغناء في العيد، فهو مباح بالمواصفات الواردة في الحديث، ولمّا أمر أبا بكر بأن لا ينكر عليهما بقوله:"دعهما"أتبع ذلك بقوله:"فإن لكل قوم عيدًا ..."، فهذه جملة تعليلية تدل على إن علة الإباحة هي العيدية -إذا صح التعبير- ومن المعلوم أن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا."
وقال: وذلك لأن هذا إنما يدل علي إباحة مقيدة بيوم عيد كما تقدم، وبالدف، وليس بكل آلات الطرب، وبالصغار من الإناث كما صرح به العلماء.
الوجه الخامس: الحديث فيه دليل على إعراض النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الاستماع.
فعند الإمام مسلم:"وَرَسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مُسَجًّى بِثَوْبِهِ".
ولفظ هارون"فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ".
وكذا عند البخاري.
وعند النسائي:"وَرَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، وَقَالَ مَرَّة أُخْرَى: مُتَسَجٍّ ثَوْبَهُ".
وكذا اللفظة الأولي عند ابن حبان (7) ، وهي"وَرَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مستتر بثوبه".
وعند الطبراني:"والنبي -صلى الله عليه وسلم- مضطجع مسجي بثوبه علي وجهه".
وعند البيهقي:"وَرَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ".
وقال: (باب الرَّجُلِ لا يَنْسِبُ نَفْسَهُ إِلَى الْغِنَاءِ وَلا يُؤْتَى لِذَلِكَ وَلا يَأْتِي عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِأنّهُ يَطْرِبُ فِي الحالِ فَيَتَرَّنَمُ فِيهَا) .
قال ابن تيمية: وليس في حديث الجاريتين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استمع إلى ذلك والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع ولا بمجرد السماع.
فالاستماع هو السمع والإصغاء والسامع هو: الذي يصل الصوت إلى مسامعه من دون قصد إليه، والمستمع المصغي بسمعه إليه، والأول غير مذموم فيما يذم استماعه، ولا ممدوح فيما يمدح استماعه.