الأرض، وخلقناهم منها بأمرنا فكما خلقناهم من ذلك، كذلك نعيدهم عودًا بعد
بدء، ثم قال: (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ)
إهلاكًا لهم وتدميرًا لأجل كفرهم (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) أناب
إلى ربه: أحبه فعبده على الدين القيم الذي خلق عليه السماوات والأرض؛
فيكشف الله - جل ذكره - له اليقين عن الوجود العلي، ومن مشاهدة الخزائن في
الدنيا والآخرة عبرة من هذه إلى ذلك.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ...(10) .
الفضل: ما زاد على المقدار العدل، وما ذكر الله - جل ذكره - أهل الخصوص في الأغلب الأوصف ما
أتاهم بأنه من فضله فتطلبه فإنه كثير وجوده في القرآن، وفي هذا دليل شافٍ أن أمر
العالم ينشأ نشأ، فأعطى الله - جل ذكره - لكل طبق من الموجودات قدرًا ما،
وانتهى جريان العوائد إلى الإنسان، وتلك منزلة العدل، لكنها بالإضافة إلى ما دونها
من المراتب محسوبة في جنبة الفضل.
ثم ما وراء منزلة الإنسان التي هي دون خرق العوائد هو الفضل؛ أي: على
مرتبة الإنسان، ثم لأهل خرق العوائد منزلة عدل تنتهي بهم إليها، ولكون ما وراء
ذلك فضلاً، وكان الذي أوتيه داوود - عليه السَّلام - وابنه سليمان فيما سبيله العبادة والملك،
وكشف عن كثير من وصف الحق المخبأ في السماوات والأرض فضلاً عظيمًا.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى
كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) . إلى قوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ(16) .
قوله تعالى: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) قرأها الحسن:"يا جبال"
اوبي معه"بغير همز، ويروى أنه كان يقرأ:"يا جبال أُؤبي معه"بضم الهمزة وسكون"
الواو؛ أي: سيري معه، وقيل: عودي معه، التأويب عند العرب: تباري الركاب،
وأكثر ما يكون ذلك مع ترجيع الحادي حدوه فتتسابق الركاب في حد السير.