قوله:"تَبَيَّنَتْ"العامَّةُ على بنائِه للفاعلِ مسنداً للجنِّ . وفيه تأويلاتٌ ، أحدُها: أنه على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: تبيَّن أَمْرُ الجنِّ أي: ظهر وبان . و"تبيَّن"يأتي بمعنى بان لازماً ، كقولِه:
3733 تَبَيَّنَ لي أنَّ القَماءَةَ ذِلَّةٌ ... وأنَّ أَعِزَّاءَ الرجالِ طِيالُها
فلمَّا حُذِفَ المضافُ ، وأقيم المضافُ إليه مُقامَه ، وكان ممَّا يجوز تأنيثُ فعلِه ، أُلْحِقَتْ علامةُ التأنيثِ .
وقوله: {أَن لَّوْ كَانُواْ} بتأويلِ المصدرِ مرفوعاً بدلاً من الجنِّ . والمعنى: ظهر كَوْنُهم لو عَلِموا الغيبَ لَما لَبِثوا في العذاب أي: ظَهَرَ جَهْلُهُمْ . الثاني: أنَّ"تبيَّن"بمعنى بانَ وظَهَر أيضاً . و"الجنُّ"فاعلٌ . ولا/ حاجةَ إلى حَذْفِ مضاف و {أَن لَّوْ كَانُواْ} بدلٌ كما تقدَّم تحريرُه . والمعنى: ظهر للجن جَهْلُهم للناسِ ؛ لأنهم كانوا يُوْهِمُون الناسَ بذلك ، كقولك: بان زيدٌ جهلُه .
الثالث: أنَّ"تَبَيَّن"هنا متعدٍّ بمعنى أَدْرك وعَلِم ، وحينئذٍ يكون المرادُ بالجنِّ ضَعَفَتَهم ، وبالضميرِ في"كانوا"كبارَهُمْ ومَرَدَتَهم ، و {أَن لَّوْ كَانُواْ} مفعولٌ به ، وذلك أنَّ المَرَدَةَ والرؤساءَ من الجنِّ كانوا يُوْهِمون ضعفاءَهم أنهم يَعْلمون الغيبَ . فلمَّا خَرَّ سليمان عليه السلامَ مَيِّتاً ، مكثوا بعده عاماً في العملِ ، تبيَّنَتِ السَّفَلَةُ من الجنِّ أنَّ الرؤساءَ منهم لو كانوا يعلمون الغيبَ كما ادَّعَوْا ما مكثوا في العذابِ . ومِنْ مجيءِ"تَبَيَّن"متعدِّياً بمعنى أَدْرك قولُه:
3734 أفاطِمُ إنِّي مَيِّتٌ فَتَبَيَّني ... ولا تَجْزَعي كلُّ الأنامِ يموتُ
أي: تَبَيَّني ذلك .