يخبر المولى تعالى بما أنعم على عبده ورسوله (داود) عليه السلام ، من الفضل المبين ، والجاه العظيم ، حيث جمع له بين (النبوة والملك) والجنود ذوي العدد والعدد ، وما منحه إياه من الصوت الرخيم ، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات ، وإذا قرأ الزبور تقف له الطيور السارحات والغاديات والرائحات ، تكف عن طيرانها ثم تردد معه الزبور مع التسبيح والتمجيد معجزة له عليه السلام ، وقد ألان الله تعالى له الحديد ، حتى كان بين يديه كالعجين يصنع منه الدروع السابغة ، التي تقي الإنسان شر الحروب ، كما قال تعالى: {وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون} [الأنبياء: 80] .
وكما أنعم الله على (داود) أنعم على ولده (سليمان) عليهما الصلاة والسلام ، فسخر له الريح ، وسخر الجن ، وعلمه لغة الطير ، وأسال له عين النحاس فكانت عينا جارية تسيل بقدرة الله ، وكانت الريح تقطع به المسافات الشاسعة الواسعة ، في ساعات معدودات ، تحمله مع جنده فتنتقل به من بلد إلى بلد ، ، وتسير به مسيرة شهرين في أقل من نهار واحد {غدوها شهر ورواحها شهر} أي تغدو به مسيرة شهر إلى نصف النهار ، وترجع به مسيرة شهر آخر النهار ، وكأنها (طائرة نفاثة) تحمل ذلك الجيش العرمرم وتنتقل به في ساعات محدودات ، تقطع به مسيرة شهرين . كما سخر له الجن تعمل بأمره وإرادته ، ما يعجر عنه البشر ، من القصور الشامخة ، والتماثيل العجيبة والقصاع الضخمة التي تشبه الأحواض ، والقدور الراسيات التي لا تتحرك لكبرها وضخامتها ، وأمره أن يشكر الله على هذه النعم .