قوله: {أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ}
«إن قلت» : حيث أثبت أولاً أنهم كانوا يعبدون الجن، لزم منه أن جميعهم مؤمنون بهم، فكيف قال أكثرهم؟
أجيب: بأن قول الملائكة أكثرهم من باب الاحتياط تحرزاً عن ادعاء الإحاطة بهم، كأنهم قالوا: إن الذين رأيناهم واطلعنا على أحوالهم كانوا يعبدون الجن، ولعل في الوجود من يطلع عليه من الكفار.
وأجيب أيضا: بأن العبادة عمل ظاهر، والإيمان عمل باطن، والظاهر عنوان الباطل غالباً، فقالوا: بل كانوا يعبدون الجن لاطلاعهم على أعمالهم، وقالوا أكثرهم بهم مؤمنون، لعدم اطلاعهم على ما في القلوب.
{قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}
قوله: {قُلْ جَآءَ الْحَقُّ}
أفاد بذلك أن الوعد منجز ومتحقق بالفعل، فليس مجرد وعد.
قوله: {وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}
أي لم يبق له بداية ولا إعادة ولا نهاية، فهو كناية عن ذهابه بالمرة، وهذا بمعنى قوله تعالى:
{وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء: 81]
«إن قلت» : إن السورة مكية، والكفر في ذلك الوقت، كان له شوكة قوية، والإسلام كان ضعيفاً، فكيف قال {قُلْ جَآءَ الْحَقُّ} إلخ؟
أجيب بأنه لتحقق وقوعه نزله منزلة الواقع، فعبر عنه بالماضي كقوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1] . انتهى انتهى {حاشية الصاوي على الجلالين} ...