قَتَادَةُ: بَلْ مَكْرُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ صَدَّنَا، فَأُضِيفَ الْمَكْرُ إِلَيْهِمَا لِوُقُوعِهِ فِيهِمَا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ) [نوح: 4] فَأَضَافَ الْأَجَلَ إِلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً) [الأعراف: 34] إِذْ كَانَ الْأَجَلُ لَهُمْ.
وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ قَوْلِكَ: لَيْلُهُ قَائِمٌ وَنَهَارُهُ صَائِمٌ.
قَالَ الْمُبَرِّدُ: أَيْ بَلْ مَكْرُكُمُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: نَهَارُهُ صَائِمٌ وَلَيْلُهُ قَائِمٌ.
وَأَنْشَدَ لِجَرِيرٍ:
لَقَدْ لُمْتِنَا يَا أُمَّ غَيْلَانَ فِي السُّرَى ... وَنِمْتِ وَمَا لَيْلُ الْمَطِيِّ بِنَائِمِ
وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
فَنَامَ لَيْلِي وَتَجَلَّى هَمِّي
أَيْ نِمْتُ فِيهِ.
ونظيره: (وَالنَّهارَ مُبْصِراً) [يونس: 67] .
وَقَرَأَ قَتَادَةُ: (بَلْ مَكْرٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) بِتَنْوِينٍ (مَكْرٌ) وَنَصْبِ (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) ، وَالتَّقْدِيرُ: بَلْ مَكْرٌ كَائِنٌ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَحُذِفَ.
(إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً)
أَيْ أَشْبَاهًا وَأَمْثَالًا وَنُظَرَاءَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: فُلَانٌ نِدُّ فُلَانٍ، أَيْ مِثْلُهُ.
وَيُقَالُ نَدِيدٌ، وَأَنْشَدَ:
أَيْنَمَا تَجْعَلُونَ إِلَيَّ نِدًّا ... وَمَا أَنْتُمْ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدِ
وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي الْبَقَرَةِ).
(وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ)
أَيْ أَظْهَرُوهَا، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِخْفَاءِ وَالْإِبْدَاءِ.
قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
تَجَاوَزْتُ أَحْرَاسًا وَأَهْوَالَ مَعْشَرٍ ... عَلَيَّ حِرَاصًا لو يسرون مقتلي
وروي (يشرون) .
وقيل: (وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ) أَيْ تَبَيَّنَتِ النَّدَامَةُ فِي أَسْرَارِ وُجُوهِهِمْ.
قِيلَ: النَّدَامَةُ لَا تَظْهَرُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ فِي الْقَلْبِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ مَا يَتَوَلَّدُ عَنْهَا، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ (يُونُسَ، وَآلِ عِمْرَانَ) .
وَقِيلَ: إِظْهَارُهُمُ النَّدَامَةَ قَوْلُهُمْ: (فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الشعراء: 102] .