وبمقدار الاستكثار من ذلك يكثر الفوز بنعيم الآخرة ، فالناس متسابقون في هذا المضمار وأوْلاهم بقصب السبق فيه أشدهم تعلُّقاً بالرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك كانت همم أفاضل السلف ، وأولى الناس بذلك أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام وقد ذكّرهن الله تذكيراً بديعاً بقوله: {واذكُرْنَ ما يُتْلَى في بيوتكنّ من ءايات الله والحكمة} [الأحزاب: 34] كما سيأتي.
ولما كانت إرادتهن الله ورسوله والدارَ الآخرة مقتضية عملَهُنّ الصالحات وكان ذلك العمل متفاوتاً ، وجعل الجزاء على ذلك بالإحسان فقال: {فإن الله أعدّ للمحسنات منكُنّ أجراً عظيماً} ليعلمْنَ أن هذا الأجر حاصل لهن على قدر إحسانهن ؛ فهذا وجه ذكر وصف المحسِنات وليس هو للاحتراز.
وفي ذكر الإعداد إفادة العناية بهذا الأجر والتنويه به زيادة على وصفه بالعظيم.
وتوكيد جملة الجزاء بحرف {إنّ} الذي ليس هو لإزالة التردد إظهار للاهتمام بهذا الأجر.
وقد جاء في كتب السنة: أنه لما نزلت هذه الآية ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة فقال لها:"إني ذاكر لككِ أمراً فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويْككِ ، ثم تلا هذه الآية ، فقالت عائشة: أفي هذا أستأمر أبوَيّ؟ فإنّي أريد الله ورسوله والدارَ الآخرة ، وقال لسائر أزواجه مثل ذلك ، فقلْنَ مثل ما قالت عائشة".
ولا طائل تحت الاشتغال بأن هذا التخيير هل كان واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم أو مندوباً ، فإنه أمر قد انقضى ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يخالف أمر الله تعالى بالوجوب أو الندب.
يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ
تولى الله خطابهن بعد أن أمر رسوله بتخييرهِنّ فخيرهُنّ فاخترْنَ الله ورسوله والدار الآخرة ، فخاطبهن ربُّهُنّ خطاباً لأنهن أصبحْنَ على عهد مع الله تعالى أن يؤتِيَهُنّ أجراً عظيماً.