وروى ابن خُوَيْزِمَنْدَاد عن مالك أن للزوج أن يناكر المخيَّرة في الثلاث ، وتكون طلقة بائنة كما قال أبو حنيفة.
وبه قال أبو الجَهْم.
قال سُحْنون: وعليه أكثر أصحابنا.
وتحصيل مذهب مالك: أن المخيّرة إذا اختارت نفسها وهي مدخول بها فهو الطلاق كله ، وإن أنكر زوجها فلا نكرة له.
وإن اختارت واحدة فليس بشيء ، وإنما الخيار البتات ، إما أخذته وإما تركته ؛ لأن معنى التخيير التسريح ، قال الله تعالى في آية التخيير: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 28] فمعنى التسريح البتات ، قال الله تعالى: {الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] .
والتسريح بإحسان هو الطلقة الثالثة ؛ روي ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم كما تقدّم.
ومن جهة المعنى أن قوله: اختاريني أو اختاري نفسك يقتضي ألاّ يكون له عليها سبيل إذا اختارت نفسها ، ولا يملك منها شيئاً ؛ إذ قد جعل إليها أن تخرج ما يملكه منها أو تقيم معه إذا اختارته ، فإذا اختارت البعض من الطلاق لم تعمل بمقتضى اللفظ ، وكانت بمنزل من خُيّر بين شيئين فاختار غيرهما.
وأما التي لم يدخل بها فله مناكرتها في التخيير والتمليك إذا زادت على واحدة ؛ لأنها تبِين في الحال.
الثامنة: اختلفت الرواية عن مالك متى يكون لها الخيار ؛ فقال مرة: لها الخيار ما دامت في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض.
فإن لم تختر ولم تقض شيئاً حتى افترقا من مجلسهما بطل ما كان من ذلك إليها ؛ وعلى هذا أكثر الفقهاء.
وقال مرة: لها الخيار أبداً ما لم يعلم أنها تركت ؛ وذلك يُعلم بأن تمكّنه من نفسها بوطء أو مباشرة ؛ فعلى هذا إن منعت نفسها ولم تختر شيئاً كان له رفعهاإلى الحاكم لتوقع أو تسقط ، فإن أبت أسقط الحاكم تمليكها.