ولم يترك المسلمون لهذا القرآن ، يتنزل بالأوامر والنواهي ، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات ، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة ، ولا تنضج نضجاً صحيحاً ، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية ، التي تحفر في القلوب ، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة ، ساخنة بحرارة الابتلاء ، قابلة للطرق ، مطاوعة للصياغة!
ولقد كانت فترة عجيبة حقاً تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فترة اتصال السماء بالأرض اتصالاً مباشراً ظاهراً ، مبلوراً في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه ، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة ، بل كل خاطر وكل نية ، قد يصبح مكشوفاً للناس ، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر ، أو واجهته معضلة ، انتظر أن تفتح أبواب السماء غداً أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته ، وفتوى في أمره ، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية ، يقول: أنت يا فلان بذاتك قلت كذا ، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا ، ولا تكن كذا.. وياله من أمر هائل عجيب! ياله من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض ، وكل ما في هذه الأرض ، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير!
لقد كانت فترة عجيبة حقاً ، يتملاها الإنسان اليوم ، ويتصور حوادثها ومواقفها ، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع ، الأضخم من كل خيال!