{ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} ، فالظلمات مثل لأعمال الكفار ، والبحر اللجي مثل لقلب الكافر ، أي عمله بنية قلب قد غمره الجهل ، وغشيته الضلالة والحيرة . كما يغشى هذا البحر موج من فوقه موج من فوقه سحاب ، فكذلك قلب الكافر الذي عملُه كالظلمات يغشاه الجهل بالله ، إذ الله ختم عليه ، فلا يعقل عن الله ، وعلى سمعه ، فلا يسمع مواعظ الله ، وعلى بصره غشاوة ، فلا يبصر حجج الله ، فتلك الظلمات بعضها فوق بعض.
قال: ابن عباس: الظلمات: الأعمال ، والبحر اللجي: قلب الإنسان . وقوله:
{يَغْشَاهُ مَوْجٌ} ، إلى {فَوْقَ بَعْضٍ} ، يعني به الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر.
وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار ، فأعلمنا الله بهذه الآيات أمثال المؤمنين وأعمالهم ، وأمثال الكفار وأعمالهم ، وأن المؤمن يجد عمله عند الله فيجازيه عليه ، ويزيده تفضلاً ، وأن الكافر لا يجد شيئاً إذ لم يكن معه توحيد تقبل الأعمال معه.
ولا تقف على {يَغْشَاهُ مَوْجٌ} ، لأن {مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} ، نعت له ، وكذا {مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} ، لا تقف عليه لأن {مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ} ،
نعت له ، وتقف على {سَحَابٌ} على قراءة من رفع"سحاباً"و"ظلمات"وإن كسرت التاء ، وأضفت سحاباً إلى ظلمات لم تقف على سحاب لأنه مضاف إلى الظلمات ، فإن نونت وكسرتها ، لم تقف على سحاب أيضاً ، لأن ظلمات بدل من ظلمات الأول.
ثم قال تعالى: {إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} ، أي إذا أخرج الناظر يده من هذه الظلمات التي وصفت لم يكد يراها ، أي رآها بعد تعب وشدة . رؤية خفية ، فإن قيل: كيف رآها مع هذه الظلمات المتضاعفة ، فالجواب: أنه كقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة أي ما رأيتك إلا بعد نظر وشدة ، وتعب ، فكذلك هذا.