وترتيب الأصناف حسبما جاء في الآية، على سبيل التدرج، ولأن قدرة الزواحف على الحركة مع فقدانها الأَرجل أَدَلُّ على قدرة الله، وتمكينه إياها من الحركة بغير الأسباب المعهودة في سعى الحيوان على رزقه، ولم يذكر من يمشى على أَكثر من أَربع - كالعناكب ونحوها - إِما لأن المراد بكل دابة: ما تقع عليه العين غالبًا، أَو أَن ما ذكر من باب التمثيل وأنه أشير إِلى ما يمشى على أَكثر من أربع بقوله تعالى: {يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَاءُ} أَي: مما ذكر وما لم يذكر.
والتعبير بضمير العقلاء في قوله: {وَمِنْهُمْ} مع أن من يمشى على بطنه وعلى أَربع ليس منهم، لتغليب جانب العقلاءِ، وهم من يمشون على رجلين كالإنسان، واستعمال: (مَنْ) في غير العقلاءِ للمشاكلة، أو لأنها تستعمل في غير العقلاءَ بِقِلَّةٍ.
ويختم الله الآية بقوله: {يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} : أي يخلق الله ما يريد خلقه مما ذكر وما لم يذكر، بسيطا كان أَو مُرَكَّبًا، على ما يشاءُ من الصُّوَر والحركات والطبائع والقُوَى، إن الله على كل شيءٍ أَراد خلقه عظيم القدرة، إذ يقول للشيء: كن، فيكون.
المعنى الإجمالى للآية:
والله خلق كل حيوان يدب ويسعى فوق سطح الأرض أو في جوفها أَو في مائها - خلقه - من ماء، هو سائل النطفة الذي هو أَصل الكائنات الحية المتوالدة، أَو هو الماءُ الذي خلق منه معظم جسمه، فمن هذه الدواب من يمشى على بطنه، كالزواحف والأسماك، ومنهم من يمشى على رجلين: كالإِنسان والطير, ومنهم من يمشى على أَربع: كالأنعام والوحوش وبعض الحيوانات البحرية، يخلق الله ما يشاءُ خَلْقَه من هذه الدواب وغيرها، على ما يشاءُ من صورها وحركاتها وقواها ومنافعها وأضرارها، والله على كل شيءٍ أراد خلقه قدير؛ إذ يقول له: كن، فيكون.
46 - {لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} : هذه الآية جاءت مقدمة لما بعدها، ولهذا لم تُعطف على ما قبلها كما عطفت مثيلتها السابقة: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ. . .} الآية.