فإن قلت: ما معنى «من جبال فيها من برد» ؟ قلت: فيه معنيان: أحدهما: أن يخلق الله في السماء جبال برد. كما في الأرض جبال حجر، والثاني: أن يريد الكثرة بذكر الجبال، كما يقال: فلان يملك جبالا من ذهب.
وقوله - تعالى: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ أي: فيصيب بالذي ينزله من هذا البرد من يشاء إصابته من عباده، ويصرفه عمن يشاء صرفه عنهم، إذ الإصابة والصرف بمقتضى حكمته وإرادته.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ. والسنا:
شدة الضوء. يقال: سنا الشيء يسنو سنا، إذا أضاء.
أي: يكاد ضوء برق السحاب الموصوف بما مر من الإزجاء والتأليف والتراكم .. يخطف الأبصار من شدة إضاءته، وزيادة لمعانه وسرعة توهجه.
وبعد أن ساق - سبحانه - هذا الدليل العلوي على وحدانيته وقدرته. أتبعه بدليل زمنى يحسه الناس ويشاهدونه في حياتهم فقال: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي: يعاقب بينهما فيأتى بهذا، ويذهب بذاك، وينقص أحدهما ويزيد في الآخر، ويجعل أولهما وقتا لحلول نعمه والثاني لنزول نقمه، أو العكس، فهو - سبحانه - صاحبهما والمتصرف فيها «إن في ذلك» التقليب والإزجاء والتأليف، وغير ذلك من مظاهر قدرته المبثوثة في الآفاق «لآيات» عظيمة «لأولى الأبصار» التي تبصر قدرة الله - تعالى - وتعتبر بها، فتخلص له العبادة والطاعة. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي. 10/ 132 - 139} ...