وفيها جبال من بَرَد كما أنَّ في الأرض جبالاً من حَجَرٍ وليس في العقل ما ينفيهِ من قاطعٍ والمشهورُ أنَّ الأبخرةَ إذا تصاعدت ولم تحللها حرارةٌ فبلغت الطَّبقةَ الباردةَ من الهواءِ وقوي البردُ اجتمع هناك وصار سَحَاباً وإنْ لم يشتدَّ البردُ تقاطر مطراً وإنِ اشتدَّ فإنْ وصلَ إلى الأجزاء البُخاريَّةِ قبل اجتماعها نزل ثَلْجاً والإنزال بَرَداً وقد يبردُ الهواءُ برداً مُفرطاً فينقبض وينعقدُ سحاباً وينزل منه المطر أو الثلجُ وكلُّ ذلك مستندٌ إلى إرادةِ الله تعالى ومشيئتِه المبنيَّةِ على الحِكَمِ والمَصَالحِ {فَيُصِيبُ بِهِ} أي بما ينزله من البَرَد {مَن يَشَآء} أنْ يصيبَه به فينالُه من ضرر في نفسه وماله {وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء} أنْ يصرفَه عنه فينجُو من غائلتِه {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} أي ضوءُ برقِ السَّحابِ الموصوفِ بما مرَّ من الإزجاءِ والتَّأليفِ وغيرِهما.
وإضافةُ البرقِ إليه قبل الإخبار بوجودِه فيه للإيذانِ بظهور أمرِه واستغنائِه عن التَّصريح به. وقُرئ بالمدِّ بمعنى الرِّفعةِ والعُلو وبإدغامِ الدَّالِ في السِّينِ. وبُرَقه بفتحِ الرَّاءِ على أنَّه جمع بَرْقة وهي مقدارٌ من البرق كالغُرفةِ وبضمِّها للإتباع لضمَّة الباءِ {يَذْهَبُ بالأبصار} أي يخطفُها من فرطِ الإضاءةِ وسرعةِ ورودِها ، وفي إطلاق الأبصارِ مزيدُ تهويلٍ لأمرِه وبيانٌ لشدَّةِ تأثيرِه فيها كأنَّه يكادُ يذهبُ بها ولو عندَ الإغماضِ وهذا مِن أقوى الدَّلائلِ على كمالِ القُدرةِ من حيثُ أنَّه توليدٌ للضدِّ من الضدِّ. وقُرئ يُذهب من الإذهابِ على زيادةِ الباءِ.
{يُقَلّبُ الله الليل والنهار} بالمُعاقبة بينهما أو بنقصِ أحدِهما وزيادةِ الآخرِ أو بتغير أحوالهما بالحرِّ والبردِ وغيرهما ممَّا يقعُ فيهما من الأمور التي من جُملتِها ما ذُكر من إزجاءِ السَّحابِ وما ترتَّب عليهِ.