وقد ذكرنا في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا} [الإسراء: 1] .
إن الذين اعترضوا على هذا الفعل اعترضوا بغباء ، فلم يُفرِّقوا بين فِعْل الله وفِعْل العبد ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: سريْتُ من مكة ألى بيت المقدس . إنما قال: أُسْرِي بي .
فالاعتراض على هذا فيه مغالطة ، فإنْ كنتم تضربون إليها أكباد الإبل شهراً ؛ فذلك لأن سَيْركم خاضع لقدرتكم وإمكاناتكم ، أمّا الله تعالى فيقول للشيء: كُنْ فيكون ، فلا يحتاج في فِعْله سبحانه إلى زمن . فمن الأدب أَلاَّ تقارن فِعْل الله بفعلك ، ومن الأدب أنْ تُنزِّه الله عن كل مَا يخطر لك ببال ، نزَّه الله ذاتاً ، ونزِّهه صفاتاً ، ونزهه أفعالاً .
ألا ترى أن (سبحان) مصدر للتسبيح ، يدل على أن تنزيه الله ثابت له سبحانه قبل أن يخلق مَنْ ينزهه ، كما جاء في قوله تعالى:
{شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 18] فشهد الحق تبارك وتعالى لنفسه قبل أنْ تشهدوا ، وقبل أن تشهد الملائكة ، فهذه هي شهادة الذات للذات . وقبل أن يخلق الله الإنسان المسبِّح سبَّح لله السماوات والأرض ساعة خلقهما سبحانه وتعالى .
وحين تتتبع ألفاظ التسبيح في القرآن الكريم تجدها جاءت مرة بصيغة الماضي {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض} [الحديد: 1] فهل سبّحَتْ السماوات والأرض مرة واحدة ، فقالت: سبحان الله ثم سكتَتْ عن التسبيح؟ لا إنما سبَّحَتْ في الماضي ، ولا تزال تُسبِّح في الحاضر: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [الجمعة: 1] .
وما دام أن الكون كله سبَّح لله ، وما يزال يُسبِّح فلم يَبْقَ إلا أنت يا ابن آدم: {سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى} [الأعلى: 1] يعني: استح أن يكون الكون كله مُسبِّحاً وأنت غير مُسبِّح ، فصِلْ أنت تسبيحك بتسبيح كل هذه المخلوقات .