أَبْصَرُوهُ، وَجَحَدُوهُ بَعْدَ أَنْ عَرَفُوهُ، فَهَذَا حَالُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَالْأَوَّلُ حَالُ الضَّالِّينَ؛ وَحَالُ الطَّائِفَتَيْنِ مُخَالِفٌ لِحَالِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ} [النور: 35] إلَى قَوْلِهِ: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 38] فَتَضَمَّنَتْ الْآيَاتُ أَوْصَافَ الْفِرَقِ الثَّلَاثَةِ: الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ أَهْلُ النُّورِ، وَالضَّالِّينَ وَهُمْ أَصْحَابُ السَّرَابِ، وَالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ أَهْلُ الظُّلُمَاتِ الْمُتَرَاكِمَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَالْمَثَلُ الْأَوَّلُ مِنْ الْمَثَلَيْنِ لِأَصْحَابِ الْعَمَلِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ، وَالْمَثَلُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ وَالِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةِ، وَكِلَاهُمَا مُضَادٌّ لِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَلِهَذَا مَثَّلَ حَالَ الْفَرِيقِ الثَّانِي فِي تَلَاطُمِ أَمْوَاجِ الشُّكُوكِ وَالشُّبُهَاتِ وَالْعُلُومِ الْفَاسِدَةِ فِي قُلُوبِهِمْ بِتَلَاطُمِ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ فِيهِ، وَأَنَّهَا أَمْوَاجٌ مُتَرَاكِمَةٌ مِنْ فَوْقِهَا سَحَابٌ مُظْلِمٌ، وَهَكَذَا أَمْوَاجُ الشُّكُوكِ وَالشُّبَهِ فِي قُلُوبِهِمْ الْمُظْلِمَةِ الَّتِي قَدْ تَرَاكَمَتْ عَلَيْهَا سُحُبُ الْغَيِّ وَالْهَوَى وَالْبَاطِلِ، فَلْيَتَدَبَّرْ اللَّبِيبُ أَحْوَالَ الْفَرِيقَيْنِ، وَلْيُطَابِقْ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَثَلَيْنِ، يَعْرِفْ عَظَمَةَ الْقُرْآنِ وَجَلَالَتَهُ، وَأَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.