وقد دلت آيات من كتاب الله على انتفاع الكافر بعمله في الدنيا ، دون الآخرة كقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ} [الشورة: 20] وقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود: 1516] وهذا الذي دلت عليه هذه الآيات من انتفاع الكافر بعمله الصالح في الدنيا ، دون الآخر ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أنس رضي الله عنه كما أوضحناه في الكلام على آية النحل المذكورة ، وهو أحد التفسرين في قوله تعالى: {وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} الآية أي وفاه حسابه في الدنيا على هذا القول ، وقد بيّن الله جل وعلا في سورة بني إسرائيل أن ما دلت عليه الآيات من انتفاع الكافر بعمله الصالح في الدنيا ، أنه مقيّد بمشيئة الله تعالى ، وذلك في قوله تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً} [الإسراء: 18]
تنبيه
في هذه الآية الكريمة سؤال ذكرناه وذكرنا الجواب عنه في كتابنا ، دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ، وذلك في قولنا فيه: لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من أنّ الضمير في قوله: جاءه يدل على شيء موجود واقع عليه المجيء ، لأن وقوع المجيء على العدم لا يُعقل وقوع المجيء بالفعل ، إلا بإدراك فاعل واقع منه المجيء ، ومفعول به واقع عليه المجيء. وقوله تعالى: يدل على عدم وجود شيء يقع عليه المجيء في قوله تعالى: {جَآءَهُ}