{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ}
أي: عميق كثير الماء: {يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} أي: متراكم بعضه على بعض: {مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} أي: متكاثفة متراكمة . وهذا بيان لكمال شدة الظلمات: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ} أي: وجعلها بمرأى منه ، قريبة من عينه لينظر إليها: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} أي: ومن لم يشأ الله أن يهديه لنوره الذي هو القرآن ، فما له هدايةٌ ما . وهذا في مقابلة قوله تعالى في مثل المؤمنين: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} والجملة تقرير للتمثيل قبلُ ، وتحقيق أن ذلك لعدم هدايته تعالى إياهم ، إذ لم يجاهدوا لنيل ذلك ، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] .
لطيفة:
قال ابن كثير: هذان المثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار . كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين: ناريّاً ومائياً . وكما ضرب لما يقرّ في القلوب من الهدى والعلم ، في سورة الرعد ، مثلين مائيّاً وناريّاً .
ثم قال: أما الأول فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم أصحاب الجهل المركب الذين يحسبون أنهم على شيء . فمثلهم كالسراب . والثاني لأصحاب الجهل البسيط وهم المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم ، الذين لا يعقلون . فلا يعرف أحدهم حال من يقوده ولا يدري أين يذهب . بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب ؟ قال: معهم . قيل: فإلى أين يذهبون ؟ قال: لا أدري انتهى .