قال الشهاب: ويحتمل أن يكون بيان لحال المشبه به ، الكافر فيعطف بحسب المعنى على التمثيل بتمامه . ولو قيل على الأول إنه من تتمة وصف السراب . والمعنى: وجد مقدوره تعالى من الهلاك بالظمأ عند السراب ، فوفاه ما كتب له ، من لا يؤخر الحساب - كان الكلام متناسباً . واختار الثاني أبو السعود حيث قال: هو بيان لبقية أحوالهم العارضة لهم بعد ذلك بطريق التكملة ، لئلا يتوهم أن قصارى أمرهم هو الخيبة والقنوط فقط ، كما هو شأن الظمآن . ويظهر أنه يعتريهم بعد ذلك من سوء الحال ما لا قدر عنده للخيبة أصلاً . فليست الجملة معطوفة على: {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} بل على ما يفهم منه بطريق التمثيل ، من عدم وجدان الكفرة من أعمالهم المذكورة عيناً ولا أثراً . كما في قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} [الفرقان: 23] فإن قيل: لِمَ خص الظمآن بالذكر ، مع أنه يتراءى لكل أحد كذلك ؟ فكان الظاهر الرائي بدله . وأجيب بأنه إنما قيده به ولم يطلقه لقوله: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} الخ ، لأنه من تتمة أحوال المشبه به . وهو أبلغ . لأن خيبة الكافر أدخل وأعرق . ونحوه: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [آل عِمْرَان: 117] ، الخ ، فإن الكافرين هم الذين يذهب حرثهم بالكلية . يعني أنه شبه أعمال الكفار التي يظنونها نافعة ، ومآلها الخيبة ، برؤية الكافر الشديد العطش في المحشر ، سراباً يحسبه شراباً ، فينتظم عطف وجد الله أحسن انتظام كما نوَّروه . كذا في"الكشف".
الثالثة: قال الشهاب: وهذا تشبيه بليغ وقع مثله في قوله مالك بن نويرة:
لَعَمْرِيَ إِني وابن جارود كالَّذِي أَرَاقَ شُعَيْبَ الماءِ والآلُ يَبْرُقُ
فَلما أتاه ، خَيَّبَ اللهُ سعيَهُ فأمسى يَغُضّ الطرفَ عيمانَ يَشْهَقُ
ثم أشار تعالى إلى تمثيلهم بنوع آخر ، بقوله: