لذلك قال بعض العارفين: أهل الأرض ينظرون في السماء نجوماً متلألئة ، والملائكة في السماء ينظرون نجوماً متلألئة من بيوت الله ، ولا عجبَ في ذلك لأنها أنوار الله تتلألأ وتتدفق في بيته وفي مسجده ، وكيف نستبعد ذلك ونحن نرى نور الشمس كيف يفعل حينما يعكس على سطح القمر فيُلقِي إلينا بالضوء الذي نراه؟ والشمس والقمر أثر من آثار نور الله الذي يَسْطع في بيوت الله ، ألاّ يعطينا ذلك الإشعاع الذي يفوق إشعاع البدور؟
ثم يقول تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال} [النور: 36] .
فالمساجد جُعِلَتْ لتسبيح الله ؛ لذلك كان بعض الصالحين إذا نزل بلداً يتحيل أن ينزلها في غير وقت الصلاة ، ثم يذهب إلى المسجد فإنْ وجده عامراً في غير وقت الصلاة بالمسبحين علم أن هؤلاء ملتزمون بمنهج الله ، حيث يجلسون قبل وقت الصلاة يُسبِّحون الله وينتظرون الصلاة ، وإنْ وجد الحال غير ذلك انصرف عنها وعلم أنها بلد لا خيرَ فيها .
والغُدوُّ: يعني الصباح ، والآصال: يعني المساء ، فهي لا تخلو أبداً من ذكْر الله وتسبيحه ، وقد وصف هؤلاء الذين يعمرون بيوت الله بالذكر والتسبيح بأنهم: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله}
قلنا: إن التجارة هي قمة حركة الحياة ؛ لأنها واسطة بين منتج زارع أو صانع وبين مستهلك ، وهي تقتضي البيع والشراء ، وهما قمة التبادلات ، وهؤلاء الرجال لم تُلْهِهِمْ التجارة عن ذِكْر الله لأنهم عرفوا ما في الزمن المستقطع للصلاة من بركة تنثر في الزمن الباقي .