أو نقول: إن التجارة لم تُلْههم عن ذِكْر الله في ذاتها ، فهُمْ حالَ تجارتهم لا يغفلون عن ذكر الله ، وقد كنا في الصِّغَر نسمع في الأسواق بين البائع والمشتري ، يقول أحدهما للآخر: وحدِّ الله ، صَلِّ على النبي ، مدَّح النبي ، بالصلاة على النبي ، كل هذه العبارات انقرضت الآن من الأسواق والتعاملات التجارية وحَلَّ محلَّها قيم وعبارات أخرى تعتمد على العَرْض والإعلان ، بل الغش والتدليس . ولم نَعُدْ نسمع هذه العبارات ، حتى إذا لم يتم البيع كنت تسمع البائع يقول: كسبنا الصلاة على النبي ، فهي في حَدِّ ذاتها مكسب حتى لو لم يتم البيع .
{وَإِقَامِ الصلاة وَإِيتَآءِ الزكاة} [النور: 37] الصلاة لأنها تأخذ وقتاً من العمل ، وكثيراً ما ينشغل المرء بعمله وتجارته عن إقامة الصلاة ظاناً أنها ستُضيِّع عليه الوقت ، وتُفوِّت عليه مصالح كثيرة ، وكذلك ينظر إلى الزكاة على أنها تنقص من ماله ، وهذه نظرة خاطئة حمقاء ؛ لأن الفلاح الذي يُخرِج من مخزنه أردباً من القمح ليزرع به أرضه: الأحمق يقول: المخزن نقص أردباً ، أما العاقل فيثق أن هذا الأردب سيتضاعف عند الحصاد أضعافاً مضاعفة .
أو: أن الله تعالى يفيض عليه من أنواره ، فيبارك له في وقته ، وينجز من الأعمال من الوقت المتبقي ما لا ينجزه تارك الصلاة ، أو: يرزقه بصفقة رابحة تأتيه في دقائق ، ومن حيث لا يحتسب ، والبركة كما قلنا قد تكون سَلْباً وقد تكون إيجاباً ، وهذه كلها أنوار وتجليات يفيض الله بها على الملتزم بمنهجه .
ثم يقول سبحانه في صفات هؤلاء الرجال: {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار} [النور: 37] ذلك لأنهم يتجارون لهدف أسمى وأخلد ، فأهل الدنيا إنما يتاجرون لصيانة دنياهم ، أمّا هؤلاء فيتجارون مع الله تجارة لن تبور ، تجارة تصون الدنيا وتصون الآخرة .