وإذا قِسْتَ زمن دنياك بزمن أُخْراك لوجدته هباء لا قيمةَ له ، كما أنه زمن مظنون لعمر مظنون ، لا تدري متى يفاجئك فيه الموت ، إمّا الآخرة فحياة يقينية باقية دائمة ، وفي الدنيا يفوتك النعيم مهما حَلاَ وطال ، أما الآخرة فنعيمها دائم لا ينقطع .
إذن: فَهُمْ يعملون للآخرة {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار} [النور: 37] واليوم في ذاته لا يُخاف منه ، وإنما يُخَاف ما فيه ، كما يقول الطالب: خِفْت يوم الامتحان ، واليوم يوم عادي لا يخاف منه ، إنما يُخاف مما سيحدث في هذا اليوم ، فالمراد: يخافون عذاب هذا اليوم .
ومعنى {تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار} [النور: 37] يعني: رجفة القلب واضطراب حركته ، وما ينتابه من خفقان شديد ، ونحن نرى ما يصيب القلوب من ذلك لمجرد أحداث الدنيا ، فما بالك بهوْل الآخرة ، وما يحدث من اضطراب في القلب؟
كذلك تضطرب الأبصار وتتقلَّب هنا وهناك ؛ لأنها حين ترى الفزع الذي يخيفها تتقلب ، تنظر هنا وتنظر هنا عَلَّها ترى ما يُطمئنها أو يُخفِّف عنها ما تجد ، لكن هيهات فلن ترى إلا فزعاً آخر أشدّ وأَنكى .
لذلك ينتهي الموقف إلى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} [القلم: 43] {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} [النازعات: 89] يعني: ذليلة منكسرة حيث لا مفرَّ ولا مَنْجى ، ولن يجد في هذا اليوم راحة إلا مَنْ قدم له العمل الصالح كالتلميذ المجتهد الواثق من نفسه ومعلومات ، يتلهف إلى ورقة الأسئلة ، أما الآخرة فيقف حائراً لا يدري .
ثم يقول الحق سبحانه: {لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ}