قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} محل {الَّذِينَ} إما الرفع بالابتداء، أو النصب على إضمار فعل دل عليه {فَاجْلِدُوا} ، أي: اجلدوا الذين يرمون المحصنات، وخبر الابتداء على ما ذُكر وقُدر في قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} .
وقوله: {بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} الجمهور على الإضافة، لأن الشهداء وإن كان صفة في الأصل فقد استعمل استعمال الاسم الصريح في الكلام، فجرى مجراه [فأضيف] إليه، وقرئ: (بأربعةٍ شهداءَ) بالتنوين، على جعل الشهداء صفة لأربعة، لأن أسماء العدد من الثلاثة إلى العشرة لا تضاف إلى الأوصاف إلا على حد إقامة الصفة مقام الموصوف، فكأنه جعله وصفًا لأربعة، لذلك أُوَّل إما على اللفظ وإما على المحل، على تضمين الإتيان معنى الإحضار، كأنه قيل: لم يحضروا أربعة شهداء.
وقوله: {فَاجْلِدُوهُمْ} أي: فاجلدوا كل واحد منهم، ثم حذف للعلم به.
وقوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} محل الجملة النصب على الحال من الضمير في {لَهُمْ} .
وقوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} محل {الَّذِينَ} إما الجر على البدل من الضمير
المجرور باللام في قوله: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ} ، أو النصب على أصل الباب، كقولك: ما مررت بأحدٍ إلا زيدٍ، بالجر على البدل من أحد، وإلا زيدًا بالنصب على الاستثناء على أصل الباب، هذا هو الوجه وعليه يُبْنَى مذهبُ مَن قَبِلَ شهادة القاذف بعد التوبة والرجوع عن القذف، وهو مذهب أكثر الفقهاء واختيار الإمام الشافعي رضوان الله عليه.
قال أبو إسحاق: فإن قال قائل: فما الفائدة في قوله: {أَبَدًا} ؟ فالجواب: أنّ أَبَدَ كُلِّ إنسانٍ مقدار [مدته فيما يتصل بقضيته، فإذا زال عند] ذلك، فقد زال أبده.
فالأبد عند الشافعي - رضي الله عنه - وموافقية مصروف إلى مدة كونه قاذفًا، وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف، وكفاهم دليلًا قول عمر بن الخطاب رضوان الله عليه لأبي بكرة:"إن تُبْتَ قبلتُ شهادتك".
وذهب قوم: إلى أن الاستثناء من الفسق فقط، هو مذهب مَن لم يجوز شهادة القاذف بعد التوبة.
وذهب آخرون: إلى أن الاستثناء من الجملتين المنفي والموجب.