قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْكَلَامِ؛ وَمَنْشَأُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ أَنَّ مَوْضِعَ «كَادَ» إِذَا نَفَيْتَ وُقُوعَ الْفِعْلِ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَرَى يَدَهُ؛ فَعَلَى هَذَا فِي التَّقْدِيرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّقْدِيرَ: لَمْ يَرَهَا وَلَمْ يَكَدْ، ذَكَرَهُ
جَمَاعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ؛ وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَمْ يَرَهَا، جَزْمٌ بِنَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «لَمْ يَكَدْ» إِذَا أَخْرَجَهَا عَنْ مُقْتَضَى الْبَابِ كَانَ التَّقْدِيرُ: وَلَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْآيَةِ؛ فَإِنْ أَرَادَ هَذَا الْقَائِلُ: «لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا» وَأَنَّهُ رَآهَا بَعْدَ جُهْدٍ، تَنَاقَضَ؛ لِأَنَّهُ نَفَى الرُّؤْيَةَ ثُمَّ أَثْبَتَهَا.
وَإِنْ كَانَ مَعْنَى: «لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا» لَمْ يَرَهَا أَلْبَتَّةَ عَلَى خِلَافِ الْأَكْثَرِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدِّرَ: لَمْ يَرَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «كَادَ» زَائِدَةٌ، وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ كَادَ أُخْرِجَتْ هَاهُنَا عَلَى مَعْنَى قَارَبَ. وَالْمَعْنَى: لَمْ يُقَارِبْ رُؤْيَتَهَا، وَإِذَا لَمْ يُقَارِبْهَا بَاعَدَهَا، وَعَلَيْهِ جَاءَ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ الْمُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسِيسُ الْهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
أَيْ لَمْ يُقَارِبِ الْبَرَاحَ، وَمِنْ هَاهُنَا حُكِيَ عَنْ ذِي الرُّمَّةِ أَنَّهُ رُوجِعَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ بَدَلًا مِنْ لَمْ يَكَدْ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: جَهَدَ أَنَّهُ رَآهَا بَعْدُ؛ وَالتَّشْبِيهُ عَلَى هَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مَعَ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ إِذَا أَحَدَّ نَظَرَهُ إِلَى يَدِهِ وَقَرَّبَهَا مِنْ عَيْنِهِ رَآهَا.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(41 ) ) .