الحج شريعة إبراهيم باني البيت - عليه السلام -، لأنه باني الكعبة، ولأنه أول من أمره اللَّه سبحانه وتعالى بالدعوة إليه، ولأن مناسكه كلها هي مناسك إبراهيم - عليه السلام -؛ لأن ما فيه من هدْي يومئ إلى فدية اللَّه تعالى الذي فدى بها إسماعيل - عليه السلام - عندما هم بذبحه، برؤيا إبراهيم - عليه السلام -، وذكر هنا في هذا المقام إشارة إلى أنه ليس حق الطواف فيه مقصورا على قريش وحدها.
(وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) .
وقوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ) متعلق بفعل محذوف تقديره اذكر يا محمد لهؤلاء الذين يصدون عن البيت، (وِإذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ) ، بوأ بمعنى
هيَّأ وسوَّى، وهيأ المكان سوَّاه وأعده، و"اللام"في قوله تعالى (لإِبْرَاهِيمَ) ،"لام"الاختصاص، أي بوأنا المكان وسويناه لإبراهيم يتخذه مكانا للبيت الحرام، ويكون مثابة للناس وأمنا، كما أشارت لذلك الآيات الأخرى الكثيرة، وإن هذه التبوئة والمكان كان مكان عبادة، فهو إشارة إلى الكعبة التي هي أول بيت وضع للناس؛ ولذلك كانت التبوئة من سياق تاريخ إبراهيم وأعماله عليه السلام متضمنة معنى العبادة، وقد فسر اللَّه تعالى العبادة التي أمر اللَّه بها نبيه وخليله إبراهيم بقوله تعالى: (أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (أن) هنا تفسيرية، وهي بيان لما تضمنه معنى التبوئة والتخصيص، وجعله مثابة للناس وأمنا.
فسر الله تعالى العبادة التي طالب اللَّه سبحانه وتعالى خليله بها هي:
أولا - (لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) ، أي شيئا من الشرك، أي اجعل عبادتك لي خالصة، فلا تشرك في عبادتك صنما، ولا كوكبا، ولا شمسا ولا قمرا، ولا تُرائي بأي نوع من الرياء في أي عبادة من العبادات.